هويدا المرشود
يُمجّد الناس البقاء كأنه وسام.
يتغنّون بالتحمّل، ويصفّقون للصبر، وكأن الوجع نوعٌ من البطولة.
لكنّ البقاء وسط العطب لا يمنح الكرامة، بل يُهدرها.
في كل علاقة تآكلت، يصل الإنسان إلى لحظة تُشبه الصحو بعد غيبوبة.
يُدرك أن استمرار النزيف لا يعني الحياة، وأن العودة إلى الذات أصدق من المراهنة على التغيير.
الهروب هنا ليس هربًا من أحد، بل انتزاعٌ للنفس من عبءٍ لم يعد يُحتمل.
يخاف الناس من الهارب، لا لأنهم يكرهون المغادرة، بل لأنهم يخشون الجرأة التي لم يجرّبوها.
يُدينون الانسحاب لأنهم عالقون في أماكن لم يعودوا يطيقونها.
يريدونك شاهدًا على عجزهم، لا مثالًا على خلاصك.
الهروب ليس انكسارًا، بل استعادةٌ لليقين.
أن تفهم متى تنتهي الجدوى، ومتى يتحوّل الصبر إلى إذلال.
أن تضع حدًّا للخذلان دون ضوضاء، وتغلق الباب دون ندم.
البطولة لا تكمن في الاحتمال، بل في التوقف.
أن تقول «كفى» بوضوحٍ لا يعتذر، وتُنهي المسرح دون مشهد أخير.
أن تختار الصمت لأن التفسير استنزف معناه، وأن تغادر لأن وجودك لم يعد يضيف سوى الخسارة.
الهروب أحيانًا بصيرة.
بصيرة تُنقذك من عادة التضحية، من الإيمان المفرط بالترميم، من تربية الألم تحت اسم الحب.
ما هو كل من ابتعد فقد، بعض الغياب استعادةٌ للمسافة التي تحفظ الروح.
في وقت يُكافئ من يصبر على الخطأ، ويُدين من يختار ذاته، يصبح الهروب فعل مقاومة.
مقاومة لفكرة أن الاحتمال فضيلة، وأن السلام يُشترى بالتنازل.
الهروب أحيانًا أعلى درجات الوعي.
وعيٌ بأن الكرامة لا تتفاوض، وأن الذين يرحلون لا يهربون.. إنما يعودون إلى أنفسهم.