فائز بن سلمان الحمدي
في عالمٍ يموج بالمتغيرات كما تموج البحار عند هيجانها، وفي زمنٍ تتقلّب فيه القوى العظمى بين مدٍّ وجزر، وتتداخل فيه خرائط النفوذ بخيوطٍ دقيقة لا يراها إلّا من امتلك بصيرة القائد؛ خرجت المملكة العربية السعودية في لحظةٍ فارقة لتعلن حضورها الكامل على مسرح السياسة العالمية. لم تُعلن ذلك ببيانٍ ولا بخطاب، بل برجلٍ يختصر التحولات ويجسّدها: ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في زيارةٍ إلى الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن رحلةً دبلوماسية فحسب، بل حدثًا محوريًا يغيّر اتجاه الريح، ويوسّع مدى الرؤية، ويرفع منسوب الوعي العالمي بمكانة المملكة ودورها.
وعندما حطّت الطائرة في أرض أمريكا، لم يكن المشهد مجرّد استقبالٍ رسمي ولا سجادة حمراء تمتد بما يليق بقائد دولةٍ محورية؛ بل كان أشبه بإعلانٍ جديد، أو بدويّ حجرٍ سقط في بحرٍ راكد. ومنذ اللحظة الأولى اتضح أن الزيارة ليست حدثًا طارئًا، بل منعطفًا سياسيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان الأمير يمشي بثبات القائد واتزان العارف، ونظرة رجلٍ يقرأ المستقبل كما تُقرأ الصفحة الأولى من كتابٍ مفتوح. وفي اللقاءات الرسمية وغير الرسمية، لم يردد ما اعتاد الآخرون سماعه منذ عقود، بل تحدث بلغةٍ جديدة؛ لغة دولةٍ تعرف قوتها وتستمد حضورها من ذاتها. دولة لم تعد مجرد حليف، بل رقم صعب في هندسة النظام العالمي الجديد. تحدّث عن الرؤية، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن، وعن ثقل المملكة في الأسواق ودورها في استقرار العالم. تحدث بجرأة القائد الذي لا يبحث عن تأييدٍ بقدر ما يبحث عن شراكاتٍ متوازنة تصنع بها المملكة مستقبلًا راسخًا. وفي دهاليز واشنطن، حيث تختلط السياسة بالمصالح، ويتشابك الاقتصاد بالنفوذ، وتلتقي العواصم في مفترقات القرار، بدا حضور الأمير كنافذةٍ يُفتح منها هواء الشرق الجديد. رأوه يتقدّم بجرأة، ويتراجع بحكمة، ويطرح أفكارًا لا تشبه أوراق الماضي بل تشبه أبواب المستقبل حين تُفتح على مصاريعها. قائدٌ لا يستمع ليرضي، بل ليفهم ويبني. ولا يتحدث ليربح جولة، بل ليرسم مسارًا طويل الأمد. وفي مجالس الاقتصاد الكبرى، حيث تُقاس قوة الدول بالأرقام لا بالشعارات، ظهرت المملكة بثوبها المتجدد؛ دولةٌ لا تقوم على النفط فحسب، بل على رؤيةٍ تتعامل مع المستقبل كاستثمارٍ بعيد المدى: تبني مدينة في الصحراء لتصنع اقتصادًا، وتطلق مشاريع تتحدى المستحيل، وتتهيأ لتكون مركزًا عالميًا للطاقة المتجددة، والثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والسياحة. وهكذا أدرك العالم أن السعودية لم تعد رقمًا في السوق، بل لاعبًا رئيسًا في تشكيله. وعلى الصعيد السياسي، كانت الزيارة فصلًا جديدًا في كتاب العلاقات الدولية؛ إذ أعادت المملكة تموضعها لاعبًا نِدّيًا يتعامل مع القوى الكبرى بحكمة واتزان، ويؤكد أنه ليس تابعًا ولا خصمًا لأحد، بل شريك محترم يفرض احترامه بثقله لا بضجيجه، وبأفعاله لا بشعاراته. دخل الأمير الحوارات مقدّمًا رؤيةً لا طلبًا لرضا، وساعيًا إلى شراكات مستقرة تمتدّ لعقود قادمة. وإذا كانت الزيارات السياسية تُقس بعدد الاتفاقيات، فإن زيارة ولي العهد تقاس بما هو أعمق: بالأثر النفسي والسياسي الذي تركته في عقل الدولة الأمريكية، وبالتحول الذي جعل العالم ينظر إلى المملكة لا كجزءٍ من الشرق الأوسط، بل كقلبه النابض ومحوره الإستراتيجي. ولأن الزيارة لم تكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة مفصلية في إعادة تشكيل موقع المملكة في العالم، فقد برزت منها خمس دلالاتٍ محورية تؤكد ما رسخته الزيارة من حضور وتأثير:
أولًا: إعلانٌ صريح بأن المملكة تدخل القرن الحادي والعشرين من مقعد القيادة لا مقعد التابع؛ حضورٌ يصنع الحدث لا يراقبه.
ثانيًا: رسالة للعالم بأن السعودية لا تنتظر المستقبل، بل تتقدّم نحوه وتعيد تشكيله سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا.
ثالثًا: تأكيد أن التحالفات التي تبنيها المملكة اليوم قائمة على الندّية والاحترام والمصالح المشتركة، لا على منطق الانحيازات الضيقة.
رابعًا: إثبات أن المملكة رقمٌ لا يمكن تجاوزه في أمن الطاقة، واستقرار المنطقة، وصياغة السياسات الدولية.
خامسًا: برهان على أن صوت الشرق عاد، وأن من يمثله اليوم قائدٌ شاب يجمع بين الرؤية وجرأة الإنجاز.
ولم تقف الزيارة عند حدودها الدبلوماسية المباشرة، بل انطلقت آثارها العميقة في ثلاثة مسارات مترابطة تؤكد ما خلّفته من حضور عالمي واسع:
المسار الأول: المسار الاقتصادي العالمي
ترسّخ لدى المستثمرين أن السعودية نقطة ارتكازٍ للاقتصاد الحديث، وأن مشاريع الرؤية ليست طموحات، بل واقعٌ يتشكل، وفرصٌ تتسابق إلى المشاركة فيها الشركات الكبرى، حتى غدت المملكة مركزًا جاذبًا لرؤوس الأموال والتقنيات.
المسار الثاني: المسار السياسي الدولي
أعادت الزيارة تثبيت المملكة محورًا للتوازن العالمي الجديد؛ قوةً تقف بثبات بين الشرق والغرب، وتدير علاقاتها بمبدأ الاستقلال الرشيد، مما أعاد رسم خريطة التحالفات ومنح المملكة موقعًا لا يكتمل القرار الدولي بدونه.
المسار الثالث: المسار الثقافي والحضاري
أحدثت الزيارة تحولًا في نظرة العالم إلى السعودية؛ إذ باتت تُرى كصوتٍ شاب، عصري، طموح، يحمل روحًا شرق أوسطية جديدة. وقد امتد هذا الحضور ليُحسّن صورة العرب جميعًا، حتى بدا حضور الأمير في أمريكا حضورًا للأمة بأكملها. وحين يعود ولي العهد إلى أرض الوطن، لم يعد بحقائب أوراق، بل يعود وقد ترك صورةً جديدةً للمملكة في ذاكرة العالم: دولةٌ إذا تحدثت أصغى لها العالم، وإذا قررت احترمها، وإذا تقدمت تبعها. يعود الأمير إلى الوطن، لكن أثره بقي هناك: في واشنطن، ونيويورك، ودهاليز القرار الأمريكي، وفي تقارير الإعلام، وفي خرائط النفوذ الدولية، وفي ذهن كل مراقبٍ يدرك أن مرحلةً جديدة قد بدأت... مرحلة تدخلها المملكة بثقة فارس، وصمت حكيم، وخطوة رجلٍ لم يعد يسير في الطريق، بل يصنع الطريق نفسه.