مرفت بخاري
في العاصمة واشنطن، حيث تتشابك السياسة مع التاريخ، وحيث تتجه أنظار العالم كلما خطت السعودية خطوة على المسرح الدولي، سجلت الزيارة الأخيرة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حضورًا استثنائيًا، محاطًا باهتمام سياسي وإعلامي واسع.
لم تكن الأجواء عابرة، بل كان واضحًا أن المدينة تستعد لحدث سيترك أثره، وأن البيت الأبيض يتهيأ لاستقبال شريك يعرف الأمريكيون جيدًا وزنه ومكانته وتأثيره في توازنات المنطقة.
رافقت الزيارة ترتيبات دقيقة وحفاوة لافتة، رفرفت معها الأعلام السعودية إلى جانب نظيرتها الأمريكية، في مشهد يعكس عمق العلاقة التي تربط البلدين منذ أكثر من تسعين عامًا. كان الاستقبال حافلًا ومهيبًا، وبدت التغطيات الإعلامية متواصلة بلا انقطاع، كأن العالم كله ينتظر ما ستسفر عنه الجلسات المغلقة والحوارات المفتوحة.
وخلال اللقاءات الرسمية، تم الإعلان عن صفقة دفاعية كبرى، تعد من أضخم صفقات التعاون العسكري بين البلدين. شملت الصفقة أنظمة متقدمة في الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات الجوية والبحرية، إضافة إلى برامج تدريب وتطوير تسهم في رفع جاهزية القوات المسلحة وتعزيز قدرات الردع. لم تكن الصفقة حدثًا مفاجئًا، بل جاءت امتدادًا لمسار طويل من التعاون الأمني بين الرياض وواشنطن، وهي خطوة جديدة تصب في تعزيز استقرار المنطقة وتحصين المصالح المشتركة.
كما شهدت الزيارة تأكيدًا على التوجه الاستثماري بين البلدين، مع الإعلان عن التزامات اقتصادية واسعة تعزِّز التعاون في التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية. وقد جاء ذلك متناغمًا مع رؤية المملكة في التحول الاقتصادي وتوسيع شراكاتها العالمية، ومع رغبة الطرفين في تطوير مجالات التعاون بما يتجاوز الجانب العسكري وحده.
وفي الجانب الإنساني، لفت سمو ولي العهد الأنظار بتصريح صريح وحاسم حول إعادة إعمار غزة. وعندما سُئل عن حجم المساهمات التي ستقدمها المملكة، أجاب بوضوح يعكس صدق الموقف وعمقه: «لم نرصد المبلغ... لكننا سندفع». كانت هذه العبارة اختزالًا لمبدأ ثابت: أن المملكة، مهما تنوّعت ملفاتها وتعددت التزاماتها، لا تتأخر عن دورها الإنساني، ولا تتردد في الوقوف مع الشعب الفلسطيني في محنته.
ومع توالي الساعات، بدا أن هذه الزيارة لا تُقرأ كحدث منفصل، بل كجزء من إعادة تشكيل لمعادلة العلاقات السعودية الأمريكية. فالتفاهمات التي أعلنت، والتصريحات التي خرجت، والملفات التي فُتحت بين الطرفين، كلها دلائل على مرحلة جديدة من التعاون، أكثر شمولًا وعمقًا واتساقًا مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
ما حدث في واشنطن لم يكن مجرّد اجتماعات رسمية، بل كان محطة تؤرّخ لحقبة جديدة في علاقة بين دولتين صنعتا الكثير من التحولات عبر العقود. علاقة تبقى متجددة، تتسع مع كل تحدٍّ، وتثبت أن الشراكات الحقيقية لا تُبنى على المصالح العابرة، بل على الثقة، والتاريخ، والرؤية المشتركة للمستقبل.
الجدير بالذكر أن فخامة الاستقبال وصدق المشاعر الإنسانية بين القادة حملت للعالم رسالة لا تخطئها العين: أن المملكة العربية السعودية، برؤيتها المجيدة، تصوغ مستقبلها بوعي واقتدار، وتشق طريقًا تتقدمه التنمية والإصلاح والتعمير في كل اتجاه. وأنها، بإصرارها وثباتها، تتجاوز كل ما لا يخدم طموحها، لتترك أثرًا خالدًا يقول إن المملكة اليوم تنظر إلى المستقبل بعين النجاح، وتسبق زمانها في كل ما يصب في مصلحة الوطن والمواطن.