قبل عدة أسابيع كان الخبر مؤلما ومحزنا بوفاة الشاب (سعود بن عبد الرحمن محمد الذويب) طالب في الصف الأول ثانوي صاحب الستة عشر عاما، جل هذا العمر قضاه في طاعة الرحمن والصلاة وحفظ كتاب الله والذي كانت وفاته إثر حادث سير مؤلم، تم الصلاة عليه في جامع الشايع وشيع جثمانه في مقبرة الرس. وحضر الكثير للصلاة عليه، جمع من أقاربه وزملائه اكتظت بهم ساحة الجامع والمقبرة. وعندما نعد هذا التقرير عن الفقيد فهو لأخذ العبرة التي سوف نترك فيه المجال ليتحدث عنه والده ومعلموه وزملاؤه الذين طلبوا المشاركة في الحديث وذكر المواقف عن فقيدهم الغالي.
ولذلك فإن موت الشباب يعد من أبلغ العبر، وتتنوع المواعظ بتنوع أحوالهم في الخير وفي الشر، فكلها عبر بالغة يستفاد منها بتوظيفها إعلاميًا ودعويًا، ومن هؤلاء الشاب الذي انتقل مؤخرًا إلى رحمة الله (سعود بن محمد الذويب)؛ فهو من الشباب الطموح أصحاب الخلق الحميد الذين راموا النشأة الصالحة في طاعة الله، وقد تحققت له بفضل الله تبارك وتعالى.
وفي الماحة عابرة تحمل بين طياتها الكثير من العبر والعظات التقت (الجزيرة) بوالد الشاب سعود (المربي الفاضل الأستاذ عبدالرحمن بن محمد الذويب) في منزله أثناء زيارة تقديم واجب العزاء له في ابنه عليه رحمة الله، وذلك بحضور عدد من زملاء الشاب المرحوم ومعلميه ومحبيه، إذ قال والده: الحمد لله على كل حال، ونعمة عظيمة أن يذهب ابني وهو على هذه الحال الصالحة والسيرة العطرة والنشأة المباركة التي حباه إياها واصطفاه بها الرحمن الرحيم سبحانه، وهذا من فضل الله تعالى علينا، والله ذو فضل عظيم.
وأضاف والده أن ابنه المرحوم منذ خروجه لهذه الدنيا وهو صاحب خلق رفيع، ويحمل صفات الابن الصالح الملتزم بالأخلاق الفاضلة التي ربيناه عليها بحمد الله، وما المواقف الخالدة والآثار الطيبة والرؤى الصالحة التي تواترت عنه رغم صغر سنه -والتي رواها ثلة مباركة ممن عايشوها من الإخوة الفضلاء أو استعرضها أساتذته وزملاؤه في بعض فقرات الإذاعة الصباحية في مدرسته بعد رحيله- إلا خير عزاء وأعظم مواساة لنا في تخفيف مصابنا بفقده رحمه الله؛ حيث جعل الله تعالى لنا ولأسرته صلة ممتدة بابننا سعود بدعاء الناس له ونشر محاسنه، واستحضار بعض مواقفه -نزولاً عند رغبة صحيفة الجزيرة- ليس ندباً ولا نعيًا مذمومًا إن شاء الله، وإنما المقصود الأول هو نشر نزر يسير من حكاياته وإبراز بعض فضائله؛ ليقتدي به أقرانه من الشباب المسلم ذوي الهمم العالية والطموحة، وليعلم الناس أن الأمة ما عدمت ولن تعدم شبابًا مثل سعود رحمه الله، فهو لم يكن عالمًا من علماء العصر، ولا كبيرًا من كبرائه، وليس من شرط الشهادة لأحد بالخير بعد موته أن يكون مشهورًا تعرف الأمة فضله، ولكنه رحمة الله عليه - وقد أمنت عليه الفتنة بموته - كان شابًا من طلبة العلم الصالحين، له ورد من عبادة وذكر ومناجاة، مع همة عالية في حفظ القرآن الكريم وطلب العلم والاستزادة من أنواع الطاعات يعرفها جميع من عرفه، ومن آخر ما أستحضره عنه عزمه رحمه الله على أداء العمرة، وإتمامه لترتيبات حجوزات الطيران وتحديد الموعد في يوم الجمعة التالية لوفاته مباشرة، حيث فاضت نفس سعود إلى بارئها قبل الموعد المقرر لأداء العمرة، واستراح من هذه الدنيا ونكدها بعد أن قدّم لنفسه بعمل الصالحات وطلب العلم، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.
وقد ذكر أحد المعلمين الأفاضل للشاب سعود أن من عاجل بشرى هذا الشاب الصالح بإذن الله أن رآه في ليلتين مختلفتين وهو يرفع صوت الأذان في أحد المساجد بصوت عذب ونداء صادق، وهذا مما يدل على رؤى صالحة بمشيئة الله، فيما ذكر مدير حلقة تحفيظ القرآن الكريم التي كان الشاب سعود أحد حفظة كتاب الله الملتحقين فيها موقفًا عجيبًا يدل على إيثار الشاب المرحوم وحبه للخير والإنفاق ابتغاء الأجر من الله تعالى حين طلب التبرع بالجائزة المالية التي كوفئ بها - استحقاقًا لتفوقه في إحدى المناسبات - لدعم مناشط الحلقة، الأمر الذي أكبره منه جميع منسوبيها وزملائه الطلاب، موقنًا حينها بأن ما عند الله خير وأبقى.
أما زملاء الشاب سعود المخالطون له فقد ذكروا عددًا من خصاله التي ذهبت بفقده رحمه الله وبقيت في الصحف، حيث كان محبًا للخير، وحريصًا على التعاون والنصح والمساعدة للجميع، مع سعة صدرٍ، وسماحة بالٍ، من غير رغبة في المدح والثَّناء، بل إنه يريد أن يكون عمله خالصًا لوجه الله، ومن ضمن ما استعادوه عنه موقفًا عجيبًا له وكأنه يستشعر -رحمه الله- قرب أجله ومفارقته لهذه الدنيا الفانية حين ذكروا أنه أرسل رسالة عبر هاتفه المحمول لكل واحد منهم على حدة، دون أن يشعر أحد منهم بأنه أرسلها للجميع، حيث طلب منهم السماح والعفو عن كل زلل أو تقصير أو خطأ صدر منه عن غير قصد، وأن يتبادلوا فيما بينهم العفو عن بعضهم البعض ابتغاء رضوان الله تعالى، وهذا الموقف منه اعتبروه خير دليل على أخلاقه وصفاته التي اكتسبوها منه رحمه الله، فهو ذو علاقة طيبة للغاية مع الجميع، الأمر الذي من شأنه أن فرض عليهم محبته وتقديره واحترامه وحسن صحبته، وقد أكد عدد من منسوبي مدرسته الثانوية أن زملاءه في ذات الصف الدراسي رفضوا إخراج طاولته الخاصة من غرفة الصف في أول يوم دراسي بعد وفاته مباشرة؛ رغبةً منهم في استحضار ذكراه واستمرارية الدعاء له والترحم عليه أثناء وجودهم في مكان التعلم الذي كان يجمعهم به، ومن باب رد الجميل مع زميلهم المرحوم فقد أوقفوا عددًا من المشاريع الخيرية باسمه رحمه الله، سواء من مشاريع سقيا الماء، أو أداء العمرة عنه، أو أنواع مختلفة من الصدقة، وهذا من فضل الله تعالى عليه، رحمه الله رحمة الأبرار، وجمعه بمحبيه في دار القرار، ومن أهم عظات مواقف حياة هذا الشاب رحمه الله - وعظاته كثيرة - أن الخير باقٍ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمثل هذه المواقف وغيرها لا زلنا نقرؤها في كتب الزهد والتراجم عن السلف الصالحين، وها هي تتكرر في مجتمعنا المحافظ بحمد الله، فلن نعدم الخير ما بقي الإيمان والتوحيد في قلوبنا بإذن الله.
** **
منصور بن محمد الحمود - الرس