وكل مقيم في الحياة وعيشها
فلا شك يوماً أنه سوف يشخصُ
لا شك أن فقد المعارف والأصحاب مؤلم وتبقى آثاره في النفس مدى الأيام -وهذا سبيل العالمين كلهم- فقد ودعت الساحة الأدبية الأستاذ الأديب محمد بن عبدالله الحمدان -أبوعبدالله- والمعروف كذلك بأبي قيس - والذي توفي يوم الاثنين 2-7-1447هـ، وتمت الصلاة عليه بعد صلاة عصر يوم الثلاثاء 3-7-1447هـ في جامع المهيني شمال الرياض ثم حمل جثمانه الطاهر إلى مسقط رأسه في بلدة -البير- حيث ووُرِيَ الثرى هناك في أجواء حزن وأسى على فراقه.
ولقد كانت ولادته في بلدة البير عام 1357هـ وقد باكره اليتم حيث توفيت والدته وعمره سنتان -رحمها الله- وبعد بلوغه السابعة من عمره ألحقه والده بأحد الكتاتيب بالبير عند المطوع عبدالرحمن بن زومان، وذلك لحفظ ما تيسر من قصار السور وتعلم مبادئ الكتابة والقراءة وبعض العلوم الشرعية، وفي عام 1366هـ توفي والده عبدالله بن عبدالرحمن الحمدان وتولى جده الشيخ عبدالرحمن بن علي الحمدان رعايته حيث ألحقه بالمدرسة الابتدائية بتمير حيث كان إماماً وخطيباً لجامع تمير، كما كان مدرساً فيها حين افتتحت عام 1371هـ حتى توفي رحمه الله عام 1376هـ.
وفي عام 1374هـ أفتتح معهد الدعوة التابع للإدارة العامة للكليات والمعاهد حيث سارع جده لإلحاقه به وكان من زملائه في تلك الفترة مجموعة من المشايخ منهم سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ والشيخ عبد الله بن راشد والشيخ غيهب الغيهب والشيخ صالح السدلان -رحمهم الله- وغيرهم كثير. وقد تخرج من المعهد عام 1379هـ بعدها التحق بكلية الشريعة حيث درس السنة الأولى والثانية منتظماً وأكمل السنة الثالثة والرابعة منتسباً وذلك لالتحاقه بالعمل الحكومي:
وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها
من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على (أَحدِ)
وقد تقلب في العديد من الوظائف؛ إذ عمل في إدارة الكليات والمعاهد وفي الديوان الملكي وفي وزارة العمل إلى أن تقاعد مبكراً في عام 1400هـ لكي يتفرغ للأدب والتأليف، وفي عام 1406هـ عُين مستشاراً ثقافياً في إمارة منطقة الرياض حتى عام 1415هـ وحصل على دورات في معهد الادارة ودورات في اللغة الانجليزية.
وقد كان شغوفاً منذ وقت مبكر من حياته بالاطلاع والقراءة وجمع الكتب والجرائد والمجلات النادرة والقديمة ودواوين الشعر والأدب والتراث الشعبي؛ حيث كوَّن مكتبة ضخمة من نوادر الكتب والجرائد والمجلات وأسماها «مكتبة قيس» على اسم أحد أبنائه.
وله العديد من المؤلفات والكتب في المجال الأدبي والشعبي والاجتماعي ومنها: (البير.. سلسلة هذه بلادنا) و(صبا نجد في الشعر العربي) و(بنو الأثير: الفرسان الثلاثة) و(ديوان حميدان الشويعر) و(معجم المطبوع من دواوين الشعر العامي القديمة) و(فهرس لموضوعات في القرآن الكريم)، ولسان حاله يردد هذا البيت:
وما من كاتب إلاَّ سيبلى
ويُبقي الدهر ما كتبت يداه
وكأني به -رحمه الله- حينما يدخل مكتبته ويسرح النظر فيما جمعه من الكتب النادرة يردد هذين البيتين:
أُقلب كُتباً طالما قد جمعتها
وأفنيت فيها العينَ والعينَ واليدا
وأعلم حقاً أنني لستُ باقياً
فيا ليت شعري من يُقلبها غداً
وقد شارك في تأسيس مؤسسة الجزيرة الصحفية وكان من أوائل الأعضاء في مجلس إدارة النادي الأدبي في الرياض.
وله مساهمات في العديد من الابحاث والمقالات الأدبية والثقافية في الصحف والمجلات السعودية كاليمامة والقصيم والجزيرة والرياض والدعوة والمجلة العربية.
مَا زلت تلهج بالتاريخ تكتبه
حَتَّى رَأَيْنَاك فِي التَّارِيخ مَكْتُوبًا
كما شارك في المؤتمر الأول للأدباء السعوديين عام 1394هـ وله مشاركات في مهرجانات الجنادرية والندوات والمؤتمرات الأدبية.
ولي مع الفقيد ذكريات جميلة وزيارات نتبادل فيها الإهداءات من الكتب والجرائد والمجلات النادرة والقديمة.
ولقد كان رحمه الله واصلاً لرحمه محباً للخير عطوفاً على الفقراء والمساكين.
تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وألهم أبناءه وبناته وعقيلته وأسرة الحمدان ومحبيه الصبر والسلوان.
سلامٌ عَلَى القبر الذي ضمّ أعظماً
تحوم المعالي حوله فتسلّم
** **
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف - حريملاء