في رثاء الوالد أحمد بن محمد الشلفان، الذي رحل عن هذه الدنيا يوم الخميس الموافق الخامس من رجب 1447 هجرية، احترت في ماهي الكلمات التي يمكن أن تعبر عن فقده رحمه الله، وما هي إلا خواطر ابن نحو أبيه يشاركني بها إخواني الآخرون (عادل وهشام ومحمد)، وليعذرني القارئ على مابها من قصور.
بداية، أقول وباسم أسرة الوالد جميعا، إن عزاءنا هو في ما لقينا من الأصدقاء والمحبين، من مشاعر صادقة ومحبة غامرة، وقت الصلاة، وأثناء وبعد تشييع الجنازة، وخلال أيام العزاء، نسأل الله العلي القدير أن لايحرمهم الأجر، وأن يجنبهم كل مكروه، فقد كان لذلك أعظم الأثر في تخفيف المصاب علينا.
أما بالنسبة لي ولإخواني، فقد كان الوالد رحمه الله مدرسة من أعظم مدارس الحياة، لم يخبرنا فقط كيف وماذا نعمل، بل عمل بجد وجعلنا نشاهده وهو يعمل، وذلك لقناعته أن العمل أبلغ من القول، وأن الأفعال أصدق الأنباء.
تعلمنا منه معنى التواضع، مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى {وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الجِبَالَ طُولاً}، أذكر أنه بعد كل صلاة عصر وبعد الخروج من المسجد يتحدث مع من يلتقي به من أهل الحي، يسأل عن أحوالهم ويستضيف في مجلسه من يستطيع منهم، لا يفرق في ذلك بين صغير وكبير ويعطي كلا حقه.
هذه وغيرها من المشاهد كانت تذكرني دوما بقول الشاعر:
«تواضعْ تكنْ كالنَّجمِ لاح لناظرٍ..
على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ»
روحه ومعنوياته الإيجابيه دوما حاضرة، وأذكر أنه خلال مرافقتي له في أسفاره رحمه الله وفي أي مكان نتواجد فيه، ماهي إلا دقائق معدودة وتجده بكل عفوية يتبادل الحديث الماتع مع الحاضرين، حتى تظن أنه يعرفهم وهم يعرفونه منذ سنوات، هذه الروح رافقته حتى آخر لحظة من حياته، وكانت مصدر طاقة لنا ولكل من حوله، لم أسمع منه يوما شكوى، فحتى في أحلك الظروف الصحية، سواء في رحلته العلاجيه إلى أمريكا لإجراء عملية القلب المفتوح أو في آخر السنوات ومع إشتداد مضاعفات الشيخوخة، كلما سألناه عن حاله وحاجته، كان رده دائما يشعرنا بأنه أقوى من قبل، إستشعارا لقول الحق سبحانه وتعالى، {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ}، ولذا كان رحمه الله يعي جيدا أهمية شكر النعمة وأثرها الطيب الذي يظهر في اللسان والقلب والجوارح.
أما عن شخصيته رحمه الله، فهي مزيج من نفس قوية قنوعة ومهابة مع قلب كبير محب للناس ومساعدتهم، وهذا في رأيي هو سر تفردها و قدرتها على التأثير و إحترامها من الصغير والكبير، وكم من حاجة للناس قضيت وكان هو سببا في ذلك، ومما أذكر هنا أن أحد الزملاء الأجانب، لم يستطع اخراج تصريح زياره لوالدته المسنه والمريضه، للإقامة معه في المملكة رغم المحاولات العديدة، ونقلت له ذلك رحمه الله، وفي خلال أقل من اسبوع تم إخراج التصريح بعد أن قام بعرض الموضوع على المسئولين في ذلك الوقت، الذين قدروا الحاجه الإنسانية جزاهم الله خيرا، وكثيرة هي المواقف المشابهه اللتي كنا شاهدين عليها أو سمعنا بها من آخرين ، لايبتغي من وراء ذلك جزاء ولا شكورا، تطبيقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس».
ولد -رحمه الله- في الداخلة بسدير عام 1348 هجرية، قبل أن ينتقل مع والده وأسرته إلى شقراء. تحمل المسئولية منذ نعومة أظفاره، حيث توفي أشقاؤه الأكبر منه سنا (رحمهم الله جميعا) وهو لم يتجاوز سن الـ15 من عمره، فكان عضيدا لوالده (جدي محمد رحمه الله)، ومارس التجارة مع التعليم سويا وفي سن مبكرة، قبل أن يغادر من شقراء للالتحاق بمدرسة دار التوحيد بالطائف، ثم مدرسة دار تحضير البعثات بمكة الكرمة، التي منها أبتعث إلى مصر وأكمل الدراسة الجامعية، ليصبح من الجامعيين القلائل بالمملكة في ذلك الوقت، ولذا كان -رحمه الله- دوما حريصا على العلم والتعليم وشجعنا عليه، بالإضافة إلى أنه كان شغوفا بعلوم ومعارف متعددة، كالدين والأدب واللغات التي أتقن منها اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وبعد عودة الوالد من مصر، اهتمّ بوالده بعد ماكبر في السن وأخواته الحبيبات إلى قلبه بعد وفاة والدتهم (جدتنا هيا بنت عبدالكريم العمير -رحمها الله) وسعى لتأمين منزل في حي الملز بمدينة الرياض يجمع الأسرة، قبل أن يتزوج أم أبنائه الأربعة الوالدة فاطمة بنت سعد المعجل (حفظها الله ورزقنا برها)، ليعيش الجميع في ذات المنزل، وهنا نتذكر بيت شعر كان يحبه رحمه الله عن أهمية الشعور بالمسئولية..
«صن النفس واحملها على ما يزينها.. تعش سالما والقول فيك جميل».
كان الوالد محبا للعمل وخدم -رحمه الله- وطنه وولاة أمره بهمة عالية من خلال عمله لسنوات في وزارات المالية والداخلية، وبعد ذلك من خلال دوره كرجل أعمال بكل صدق وإخلاص وتفانٍ، وبذلك، توسعت علاقاته الإجتماعية والعملية ولقي احترام كل فئات المجتمع التي عمل معها، وعند استعراض سيرته العمليه رحمه الله، يحضرني بيت شعر لطرفة بن العبد:
«إذا القومُ قالوا من فتىً خِلتُ..
أنّني عُنِيتُ فلم أكسَل ولم أتبَلّدِ»
وكان -رحمه الله- رغم مشاغله العملية العديدة حريصا كل الحرص على صلة الرحم وأداء الواجبات الاجتماعية، فيكاد لايخلو جدوله اليومي من زيارة مريض وكبير سن أو تقديم واجب عزاء أو تلبية دعوة، وأذكر أني في أحد الأيام كنت معه لزيارة مريض وبعدما علم أنه خرج من المستشفى، لم يرد أن يفوت الفرصة، فقمنا بزيارة ثلاثة مرضى آخرين لايعرفهم ولايعرفونه، يتوقف عند باب غرفة كل مريض، يسلم ثم يعرف بنفسه ويعرض عليهم استعداده للمساعدة، ويدعو لهم قبل أن يغادر، بعد أن يدخل الفرحة ويخفف الألم على المريض ومرافقيه، ولعل تلك الأعمال وغيرها كانت سببا في سعة رزقه وطول عمره رحمه الله، كما جاء في الحديث، «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه».
وامتدادا لما بدأه والده (رحمهما الله جميعا)، كانت سعادته ولأكثر من ستة عقود في أن يبقى مجلسه بحي الملز عامرا بالأصدقاء والأحبة، الذين يستأنس بعضهم ببعض ويلتقون لتبادل الأحاديث الهادفة، المغذية للعقول والمؤلفة للقلوب.
أما في أمر العبادة، فقد كان الوالد -رحمه الله- حريصا على صلاة الجماعة ويحثنا عليها، وفي رمضان يقضي الكثير من وقته في المسجد لقراءة القرآن، خصوصا من بعد صلاة العصر إلى ما قبيل أذان المغرب، وكذلك ساعة بعد صلاة الفجر، وفي العشر الأواخر لا أذكر أنه قد فاتته ركعة من صلاة القيام، ناهيك عن العديد من زيارات الحج والعمرة التي قام بها، تقبلها الله جميعا وجعلها في ميزان حسناته يوم الحساب.
نصيحته -رحمه الله- الدائمة لنا، الاستقامه في جميع أمور حياتنا، لا إفراط ولاتفريط، نبراسه في ذلك، الآية الكريمة في سورة هود، {فاستقم كما أمرت}.
وبلسان أبنائه جميعا، تلك بعض من مدرسة والدنا كما شهدنا عليها (نحسبه والله حسيبه ولانزكي على الله أحدا)..رحل عن حياتنا وأخذ جزءا غاليا منها معه، رحل ومع رحيله، رجاؤنا من رب رحيم أن لايكون قد أغلق علينا بابا من أبواب الجنة.
عزاؤنا في ذلك ما ورد في الحديث الصحيح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، «إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما»، وعزاؤنا كذلك، بقاء ذكره وأثره الطيبين وسيرته العطرة (التي لايسعها كتاب)، فاللهم جازه عنا خير ما جازيت والداً عن ولده، واللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولائك رفيقا.
رحم الله الوالد الحبيب أحمد المحمد الشلفان، ورحم الله آباءكم جميعا، و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.
** **
- د. وليد بن أحمد الشلفان