غاب رجل الخير والعطاء في صباحٍ مثقل بالحزن، تسلّل الخبر كما تتسلّل الغصّة إلى الحلق. رحل الشيخ عايض بن محمد بن ظبية -رحمه الله-، فاختفت خطوات اعتادت أن تأتي بالطمأنينة، وصمت صوتٌ ألفته المجالس منذ سنين. لم يكن رحيله حدثًا عاديًا، لأن الرجل لم يكن عابرًا في حياة من عرفوه. كان حضوره يسبق اسمه، وفعله يسبق حديثه، فإذا ذُكر، ذُكر معه الخير، وإذا غاب، شعر المكان بنقصٍ لا يُعوَّض، واشتاقت القلوب لمنهجه وطيب صحبته.
كان الشيخ عايض رجلًا لا يحتاج إلى تعريف. يكفي أن يُذكر اسمه في مجلس، فتسبقه الصفات الحميدة: الكرم، وحسن الخلق، وحب الخير. لم يعرف الناس عنه إلا القرب، ولم يروا منه إلا اللين والود، ولا قصدوا بابه إلا وجدوه مفتوحًا على مصراعيه. يحكون عنه وكأنهم يروون فصلاً من كتابٍ مفتوح؛ باب منزله لم يُغلق يومًا، ومائدته لم تعرف التوقيت، ووجهه لم يعرف العبوس. الصباح عنده يبدأ بالسلام، والنهار يمتد بالعطاء، والمساء يختم بالدعاء والصلاة. لم يسأل يومًا عن اسم الطارق، ولا عن سبب الزيارة، فكل من قصد بابه كان ضيفًا، وكل من دخل مجلسه خرج وقد شبع من الكرم والطمأنينة، وكأن العطاء عنده فطرة لا تكلّف فيها، وواجب لا يعرف التردد.
ثم جاء المرض ضيفًا ثقيلًا لم يعتد الشيخ استقباله. عارض صحي ألمّ به، فشدّ الرحال للعلاج خارج المملكة، وكأن القدر أراد أن يُهيّئ القلوب للفراق. هناك، في الغربة، أسلم روحه بهدوء المؤمن، وارتاحت نفسه مطمئنة، وعاد جثمانه إلى الوطن، محمولًا على أكتاف المحبة، مغطّى بدعوات لا تنقطع، وبعيون دامعة تسبق الكلمات، وبقلوب ودّعت رجلًا صنع الفرق في حياة الآخرين.
يوم الصلاة عليه، امتلأ المسجد بالمصلين، وازدحمت المقبرة بالمشيعين، وتعاقب المعزون والمواسون على منزله، وجوه لا تجمعها مصلحة ولا مناسبة، بل جمعها رجل أحسن إليهم في حياته. جاءوا يردّون بعض الدين في وداعه الأخير. كان المشهد ثقيلًا، صامتًا، تختلط فيه الدموع بالدعاء، وتتمتم فيه القلوب: كيف يغيب من اعتاد أن يكون حاضرًا في كل موقف، ومن كان للخير عنوانًا حيًّا.
وفي هذا المصاب الجلل، تتجه التعازي الصادقة إلى إخوان الفقيد: محمد بن بداح السهلي، مبارك بن محمد بن ظبيه، فهد بن محمد بن ظبيه، مناحي بن محمد بن ظبيه، سعود بن محمد بن ظبيه.
كما نتقدم بالمواساة إلى أبنائه: محمد، عبدالله، خالد، يزيد، عبدالإله، فيصل، فهد، الذين لم يفقدوا أبًا فحسب، بل فقدوا قدوة وسندًا ومعلمًا في معنى الرجولة والكرم، وسطروا له ذكرى ستظل حية في وجدانهم ووجدان كل من عرفوه.
غير أن الحزن، على ثقله، يحمل عزاءً خفيًا؛ فالرجل لم يرحل بلا امتداد. أبناؤه يسيرون على نهجه، يحملون رسالته، ويواصلون ما بدأه والدهم من حب الخير وبذل المعروف.
كأن الشيخ عايض، برحيله، وزّع روحه في أبنائه، ليظل حاضرًا في أفعالهم، حيًا في أخلاقهم، شاهدًا على أن السيرة الطيبة لا تموت، وأن أثر الإنسان الصالح يستمر بعد وفاته.
رحل الشيخ عايض بن محمد بن ظبيه، وبقيت حكايته تتناقلها المجالس، وبقيت سيرته عزاءً لكل حزين، ودليلًا على أن الخير إذا خرج من القلب، عاد نورًا لا ينطفئ، وأن أثر الإنسان الصالح يبقى حاضرًا في كل من أحبّه.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وجزاه عن كل يدٍ أمسك بها، وكل قلبٍ واساه، خير الجزاء. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.
** **
- محمد الناصر