في يوم الجمعة 18 شعبان 1447هـ فقدت المملكة العربية السعودية علماً من أعلامها، ورمزاً من رموز التنمية والبناء والنزاهة والعمل الإنساني برحيل معالي الدكتور عبد الرحمن بن عبدالعزيز بن أحمد السويلم عن دنيانا الفانية، بعد أن ترك بصمات واضحة وأثراً عميقاً وذكرى طيبة ونهجاً علمياً وإدارياً فريداً في أعمال الدولة الكبيرة ثم في القطاع غير الربحي.
فجعت بوفاته؛ فقد كان لي أباً ومعلماً ومربياً، وقائداً وقدوة وملهماً، وهيج أحزاني منظر المحبين من خيار رجالات المملكة والعالم الإسلامي من الأمراء والوزراء والعلماء والنبلاء والفضلاء ومن كل فئات المجتمع، الذين اجتمعوا للصلاة عليه في جامع الملك خالد في العاصمة الرياض، قبل أن ينقل جثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع في المدينة المنورة ليدفن فيها، رأيتهم وقد كسا الحزن أوجه الجميع، كل يصبر الآخر ويتصبر به، ويغالب الدمعات، ويلهج بالدعوات، ويشعر بفداحة الفقد والرحيل، فـ«إنا لله وإنا إليه راجعون».
لعمرك ما الرزية فقد مال
ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حُرٍّ
يموت بموته خلق كثير
ولئن اجتمع الناس على عظيم فضله وعميق محبتهم له وغمرهم الحزن على فراقه، فإن من عرفه عن قرب وعمل معه، يعلم جسامة المصاب وألم الفراق، وقد تشرفت بمعرفة معاليه منذ بداية العام 1438هـ / 2016م وقد جاوز الثمانين، وعشت معه عن قرب إلى قبل شهرين من رحيله، وبحكم عملي استفدت منه في حياتي العلمية والمهنية والعامة كثيراً، وأكرمني الله فكانت هذه المرحلة من أهم المحطات العملية وأنفعها في مسيرتي.
كان د. عبدالرحمن شخصية استثنائية بكل المقاييس، وظاهرة فريدة تستحق الدراسة، فقد رزقه الله بصيرة نافذة، ورؤية بعيدة المدى المآلات الأمور، وحسن إدارة للوقت ومعالجة ناجعة للأزمات، وثباتاً انفعالياً في تقلبات الأحوال.
كان عملي مديراً للإستراتيجية الأولى 2016م والثانية 2023م الجمعية عناية الصحية؛ يتطلب التواصل المباشر معه أحياناً، وشجعني على ذلك سعادة د. سلمان بن عبد الله المطيري الأمين العام للجمعية، وكانت توجيهات معاليه بعامة، وفي المجال الإستراتيجي بخاصة عميقة ومركزة وبعيدة الأغوار والحرص على نقل التجارب المميزة والممارسات الناجحة؛ فقد كان يوجهنا دائماً إلى التطوع في المؤسسات الأخرى، وشاركت في نقل المعرفة لجمعيات عدة بناء على توجيهاته رحمه الله، وهذا مما وطد علاقتي معه، وترك أثراً عميقاً في نفسي وشخصيتي وفي منظومة القيم التي أحملها، يروى عن الشعبي أنه قال: (لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمة ينتفع بها فيما يستقبل من عمره، ما رأيت أن سفره قد ضاع). فما بالكم بمن أكرمه الله بصحبة قامة بهامة (أبي سعد) طوال هذه السنين الثمينة.
كان -رحمه الله- يحرص أن يسهم في جميع أوجه الخير، ويضرب في كل غنيمة بسهم، لذلك شارك في رئاسة مجالس الإدارات وعضويتها لعدد كبير من الجمعيات والمؤسسات بكل اقتدار ومسؤولية والتزام وأدى دوره كاملاً وبمهنية وإخلاص وينصح بمحضه لمن حوله، حيث لم تكن إدارته لها شرفية، بل كان يسهم بخبراته وعلاقاته وبصيرته الفذة في تأسيسها وتطويرها وتمكينها، ورزقه الله حضوراً متفرداً في الاجتماعات والمجالس واللجان، وقدرة خاصة في إدارة العلاقات وتطويعها للصالح العام؛ وكان يحق نموذجاً للقائد الملهم والإداري الناجح مع حسن الإنصات للمتحدث، والاهتمام به، والإقبال عليه، وإنزال الناس منازلهم، والاتصاف بقدرة عالية على حل الخلافات والوصول إلى قرارات جماعية يرضى بها الجميع ويتبنونها، ويلتزمون بها عن قناعة تامة.
كان فقيدنا نموذجاً قل نظيره في حفظ الوقت وحسن استثماره، ولعل ذلك بعد توفيق الله كان سبباً في كثرة إنجازاته وآثاره المباركة، وتراه يأتي إلى اجتماعاته - على كثرتها وتعاقبها قبل الموعد، ولا يتخلف إلا من عذر قاهر، ويعتذر في وقت مبكر بأسلوب راق.
أما في العبادة فهو مثال يعجب له أولو الألباب، ويرفع هممهم لصالح الأعمال، أحسبه ولا أزكيه على مولاه التقي العابد الخفي، فكل من عرفه رأى تعظيمه للصلاة والمحافظة عليها، لا يُرفع الأذان وإلا وهو عند باب المسجد، فضلاً عن التبكير لصلاة الجمعة بساعتين، وكان يحرص ألا تتقاطع مواعيد الاجتماعات مع مواقيت الصلاة، ويرفع الجلسة مباشرة عند سماعه الأذان، رأيت ذلك في اجتماعه مع كبار المسؤولين فضلاً عن اجتماعات مجالس إدارة الجمعية.
وكان د. السويلم قدوة في تلاوة القرآن والمحافظة على ورده مهما كانت الشواغل، وبرز اهتمامه بالقرآن في شكله المؤسسي بحرصه البالغ ومتابعاته الدؤوبة في توفير الممكنات اللازمة لجمعية البرهان لخدمة السنة والقرآن التي كان يرأس مجلس إدارتها.
خلال عشرة أعوام ذهبية من الاتصال المباشر وجدت في الدكتور قائداً استثنائياً ملهماً يلخص لنا في إهاب من التواضع والموثوقية والرصانة أفضل تجاربه في تكوينه العلمي وعمله الصحي والشوري ومهامه الرسمية الرفيعة؛ ليهديها بكل همة ونشاط وحب وإشفاق للعمل الخيري وأبنائه، ويشعرك بعظمة هذا الوطن وتاريخه وقادته ورجالاته ومؤسساته، فمن خلاله تعرفت على مسيرة القطاع العام في المملكة والجهود التي بذلتها الدولة في تأسيس الوزارات والمؤسسات والهيئات في رحلة طويلة وشاقة من العمل الجاد الذي يعرف دقائقه وخفاياه معالي الدكتور عبد الرحمن السويلم وأمثاله من الكبار، وعرفت كذلك منه حسن اختيار ولاة الأمر للرجال الأكفاء وإسناد المهام الصعبة إليهم، وكلما خالطته وجلست إليه واستفدت منه؛ أتذكر الجيل الذي حمل أمانة الدولة بعد رجال التأسيس، فقام بها بحب وإخلاص وتفان ونزاهة وشموخ ومهنية خير قيام، أتذكر الشخصيات العظيمة التي تشرفت بمعرفتها عن قرب مثل معالي د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ومعالي الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد المطلق متعهما الله بالصحة والعافية، وغيرهما من الرجال الذين رزقهم الله البصيرة النافذة، والقلب الكبير، والقدرة على الفعل، والمسؤولية العظيمة تجاه المملكة ودورها في العالم.
لقد كان رحيل الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السويلم الطبيب السعودي الرائد، ووكيل وزارة الصحة، ورئيس هيئة الهلال الأحمر، وعضو مجلس الشورى، ورجل الدولة القدير، والأب الروحي العشرات الكيانات الخيرية التي أدرك الناس أثرها عن قرب أو بعد؛ كان رحيله ثغرة كبرى يصعب سدها، وفقداً أليماً للوطن وللقطاع غير الربحي، يشهد من عرفه أنه نبيل همام أدى واجبه الوطني بكل صدق وأمانة وبسالة، وحمل هموم المرضى وأتينهم، وتلمس احتياجات الفقراء والضعفاء، وواجه تحديات العمل الإنساني وصعوباته، وقدم الكثير في مأسسة الكيانات الأهلية وحمايتها والنهوض بها، بصورة تلبي تطلعات رؤية 2030 التي مهدت الطريق لتمكين العمل الإنساني ودعمه.
وبترجله لا ينقطع الخير، فأثره باقٍ بإذن الله كما هو شأن العظماء من الراحلين، ونهجه مستمر، فقد ترك وراءه تلاميذ نجباء بنى قدراتهم ورعى مواهبهم في أجيال متعاقبة ليحملوا المسؤولية، ويقوموا بها على أحسن وجه.
إن غياب (أبي سعد) أتعبني وأحزنني، وكاد يفقدني اتزاني، أكتب هذه الكلمات والدموع تغالبني وتمنعني من الاستمرار، وتحول بيني ورؤية الورقة وحبر القلم، وأعلم أن كتابتي لن تشفي علتي بفقده، ولكن لعلها تخفف، وهي مواساة لنفسي قبل الآخرين، ولكل من شعر بفقده أكثر مني، وفي مقدمتهم أسرته العريقة الكريمة المباركة، وأصدقاؤه، والعاملون مع معاليه في وزارة الصحة، والهلال الأحمر، ومجلس الشورى ومنسوبو جمعية عناية، وسائر الجمعيات في داخل المملكة وخارجها، فعزائي لهم، ولكل من فقد هذه القامة الكبيرة، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وتحتسب عند الله فقده أسأل الله أن يغفر لنا وللوالد المربي د. عبد الرحمن السويلم، ويرحمه ويدخله الجنة، ويعوض الأمة خيراً بفقده، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي مثلك يا أبا سعد يصدق قول جرير:
وَلَقَد أَراكَ كُسيت أَجمَلَ مَنظَرٍ
وَمَعَ الجَمالِ سَكينَةٌ وَوَقارُ
وَالريحُ طَيِّبَةٌ إِذا استَقبَلتها
وَالعِرضُ لا دَنِسٌ وَلا خَوّارُ
صَلّى الملَائِكَةُ الَّذينَ تُخُيُّروا
وَالصالحِونَ عَلَيكَ وَالأَبرارُ
وَعَلَيكَ مِن صَلَواتِ رَبِّكِ كُلَّما
نَصِبَ الحَجيجُ مُلَبِّدينَ وَغاروا
** **
د. محمد النور محمود عمر - الرياض