ليس يوم التأسيس ذكرى عابرة في الذاكرة الوطنية، ولا مناسبة احتفالية تُستدعى من التاريخ فحسب، بل هو إعلان وعيٍ بالامتداد، واستحضار لحظة الميلاد الأولى للدولة السعودية، حين وُضعت لبنة الحكم والاستقرار قبل ما يقارب ثلاثمائة عام (299 سنة)، لتبدأ مسيرة وطنٍ ظلّ وفيًّا لفكرته، صامدًا في وجه التحديات، ومتجدّدًا في أدواته ورؤاه.
في 22 فبراير 1727م، أسّس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى في الدرعية، في زمنٍ كانت الجزيرة العربية تعيش حالة من التشرذم وغياب الأمن، فجاء هذا التأسيس ليشكّل مشروع دولة لا مجرد إمارة محلية؛ دولة تقوم على الاستقرار، وتنظيم شؤون المجتمع، وبناء كيان سياسي مستقل يستند إلى الهوية العربية والإسلامية.
التأسيس: قرار دولة لا لحظة تاريخية
لم يكن تأسيس الدولة السعودية حدثًا طارئًا أو ردّ فعلٍ عابر، بل قرارًا واعيًا بتغيير مسار المكان والإنسان. فقد مثّل الإمام محمد بن سعود نموذجًا للحاكم الذي أدرك أن الأمن أساس العمران، وأن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعدل، والالتفاف المجتمعي، وحسن إدارة الموارد. ومنذ ذلك التاريخ، تشكّلت ملامح الدولة السعودية بوصفها:
دولة سيادة لا تبعية
دولة استقرار لا فوضى
دولة هوية لا ذوبان
وهو ما جعل فكرة الدولة السعودية فكرة راسخة، قاومت السقوط، وعادت في كل مرة أكثر نضجًا وصلابة.
ثلاث دول.. ومسار واحد، مرّت الدولة السعودية بثلاث مراحل تاريخية كبرى:
الدولة السعودية الأولى
الدولة السعودية الثانية
المملكة العربية السعودية (1932م)
ورغم ما شهدته هذه المراحل من تحديات وصراعات، فإن الخيط الناظم بينها ظلّ واحدًا: الإيمان بالدولة، والقدرة على إعادة البناء بعد كل تعثّر. وقد تُوّج هذا المسار التاريخي بتوحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله – الذي نقل الكيان من طور التأسيس المتكرر إلى الدولة الحديثة المستقرة.
الدولة الحديثة: بناء الإنسان قبل المكان
منذ إعلان توحيد المملكة، دخلت البلاد مرحلة التحول الحضاري الشامل، حيث لم يقتصر البناء على البنية التحتية، بل شمل بناء الإنسان السعودي معرفيًا وتعليميًا وثقافيًا.
شهدت المملكة:
توسعًا هائلاً في التعليم العام والجامعي
إنشاء جامعات ومراكز بحثية متقدمة
برامج ابتعاث أسهمت في صناعة نخبة علمية وطنية
تطويرًا شاملاً للقطاع الصحي والخدمي
وفي موازاة ذلك، بُنيت شبكة ضخمة من الطرق والمطارات والموانئ، ونُسج اقتصاد وطني قائم على الطاقة، ثم بدأ التحول نحو تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
خدمة الحرمين: شرف الريادة ومسؤولية التاريخ
ظلّت خدمة الحرمين الشريفين ركيزة أساسية في مشروع الدولة السعودية، حيث شهد الحرمان توسعات تاريخية غير مسبوقة، وتطورت منظومة الحج والعمرة لتصبح نموذجًا عالميًا في الإدارة والتنظيم والخدمات، بما يليق بمكانة المملكة الدينية ودورها الإسلامي.
القيادة المعاصرة: الاستمرارية والتحديث
في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود دخلت المملكة مرحلة جديدة من الحوكمة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتكريس مفهوم الدولة القوية القادرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية. وجاءت قيادة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز لتطلق أكبر مشروع تحول وطني في تاريخ المملكة الحديث، مشروعًا لا ينقض التاريخ، بل يستثمره، ولا يتجاوز الجذور، بل ينطلق منها. رؤية المملكة 2030 تمثل المستقبل بوصفه امتدادًا للتأسيس، فهي جاءت انتقالًا من دولة تعتمد على مورد واحد، إلى دولة تصنع الفرص، وتنافس عالميًا، وتستثمر في الإنسان والمكان معًا.
ومن أبرز ملامح الرؤية:
مشاريع عملاقة مثل نيوم، والقدية، ومشروع البحر الأحمر
إعادة إحياء الدرعية بوصفها رمز التأسيس
تمكين الشباب والمرأة
رقمنة الخدمات الحكومية
تحسين جودة الحياة وبناء اقتصاد إبداعي وسياحي وثقافي
الرؤية أعادت صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، من علاقة انتظار إلى علاقة مشاركة، ومن مفهوم الرعاية إلى مفهوم التمكين.
يوم التأسيس: وعيٌ بالهوية وثقة بالمستقبل
إن الاحتفاء بيوم التأسيس ليس التفاتًا إلى الماضي من باب الحنين، بل قراءة واعية لمسيرة وطنٍ أدرك منذ لحظته الأولى أن الدولة لا تُبنى ليومٍ واحد، بل لقرون. من الإمام محمد بن سعود، إلى الملك عبدالعزيز، إلى الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان..
هي مسيرة واحدة، بأدوات مختلفة، وروح ثابتة، وهدف لا يتغيّر: وطنٌ آمن، مزدهر، راسخ، يصنع مستقبله كما صان تاريخه.
** **
د. عبدالله بن مساعد الفالح - كلية العلوم - جامعة الملك سعود