الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
شهر رمضان شهر الصيام موسم من مواسم الخيرات، ومائدة من موائد الرحمن، وفيه من الفوائد الكثيرة والحكم العظيمة.
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تهذيب للنفس، وزرع للفضائل، وتعزيز للصبر، وتقوية للإرادة.
كل ذلك من خلال منظومة متكاملة؛ فروحيًا يتم عبر تكثيف العبادات وتزكية النفس بالصبر والتعاطف، وصحياً عبر تنظيم الوجبات، وتجنب الإفراط في الطعام والمنبهات، والاعتياد على نمط الصيام المتقطع لإراحة الجهاز الهضمي.
«الجزيرة» استطلعت رؤى عدد من المختصين في كيفية الاستفادة من تلك الفرص العظيمة خلال الشهر الفضيل.
ارتباط وثيق
بداية يستهل الدكتور بدر بن محمد المعيقل عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الجوف سابقاً، بما جاء في الحديث الذي صححه الألباني، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الإيمان لَيَخْلَقُ في جَوفِ أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يُجدّد الإيمان في قلوبكم).
ورمضان الذي أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن الشياطين فيه مصفّدة، وأن أبواب الجنة مفتّحة، وأبواب النار مُغَلّقة، فرصة لتجديد الإيمان، وإحيائه أو زيادته من جديد، كُلٌّ بِحَسَبِه، فخلُوُّ بطن الإنسان من الطعام، (ما ملأ ابن آدم وعاءً شَرّاً من بطن)، إضافة إلى: الارتباط الوثيق بكتاب الله، (فرمضان شهر القرآن)، إضافة إلى: ملازمة صلاة الليل، من تراويح وقيام، حريّة كلها -بإذن الله- مع الخضوع والافتقار إلى الله تعالى أن يغفر ويرحم ويتجاوز، (فرمضان شهر الدعاء)، حرية كلها بتجديد الإيمان بإذن الرحمن، يضاف إلى ذلك: إلتزام الهدي النبوي والسنة المحمدية في تناول الغذاء، بالبدء بتمرات، ثم لقيمات، ثم ما يسدّ الجوع دون إفراط في الأكل، وكأن أحدنا قد كان في يوم تجويع وجهد وكدّ، ونحن نعيش رغداً من العيش -ولله الحمد-، (وملازمة القاعدة النبوية في الأثلاث) للطعام والشراب والنّفَس، ثم ملازمة السحور على اليسير من الطعام، فتحصل فيه البركة، (تسحّروا فإنّ في السحور بركة) سبب -بإذن الله- لصحّة الأجساد وسلامتها من الأمراض والآفات؛ فيجتمع في رمضان: سلامة من الأهواء، بتجديد الإيمان، وسلامة من الأدواء: باتباع سنة العدنان.
ميدان التربية
من جانبها تؤكد الدكتورة سارة بنت ملتع القحطاني أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت أن رمضان ميدانُ تربيةٍ لا موسم عادة، ومحراب تهذيبٍ لا ظرف زمنٍ عابر؛ شُرع فيه الصيام ليُضام سلطان الشهوة، حتى لا يستولي الحسّ على العقل، ولا تنقاد النفس لسلطان الشهوة. فإن كثرة الغذاء تُورث ثقل البدن، وثقل البدن يُفضي إلى فتور القلب، وفتور القلب يحجب عن إدراك المعاني الإلهية.
فكان الصيام سببًا في تلطيف المزاج، وتصفية النفس، ليتهيأ القلب لقبول أنوار القرآن والذكر. فإذا خفَّ الجسد قويت الروح، وإذا قويت الروح استقامت الجوارح، فإذا انكب المرء بعد ذلك على القرآن تلاوة وتدبراً؛ تولّد إنسانٌ جديد: أخفُّ جسدًا، وأقوى إرادة، وأصلح نظراً، وأقوم سلوكًا، وتلك حكمة الشهر، أن ينتقل الإنسان من غلبة الحسّ إلى سيادة القرآن، ومن أسر العادة إلى نور العبادة، ويكون أقرب إلى حقيقة العبودية.
تجديد بناء الجسم
يقول الدكتور أيهم موسى نصار استشاري الأمراض الباطنية بالرياض نصيحة ذهبية: حينما نجعل رمضان بداية لنمط حياة جديد، وليس مجرد استراحة مؤقتة، وتذكر أن جودة الطعام أهم بكثير من كميته، مشدداً على أن شهر رمضان المبارك فرصة ذهبية سنوية للجسم للتخلص من السموم وإعادة ضبط عمليات التمثيل الغذائي (الاستقلاب)، ومع ذلك قد تتحول هذه الفائدة إلى عبء صحي إذا استسلمنا للعادات الغذائية الخاطئة مثل: الإفراط في السكريات والدهون.
وقدم د. أيهم نصار استشاري الباطنية بمدينة الرياض الدليل الطبي المتكامل لرحلة صيام آمنة وصحية.
قاعدة «التدرج» في الإفطار
طبياً، يكون الجهاز الهضمي في حالة خمول نسبي أثناء الصيام. لذا، فإن مباغتته بوجبة دسمة مباشرة يؤدي إلى عسر الهضم وخمول شديد.
البداية الذكية: ابدأ بـ:
1 - عدد محدود من التمر وكوب من الماء، والتمر يوفر سكريات سريعة الامتصاص لرفع مستوى الجلوكوز في الدم وتنبيه الدماغ، والماء يعوض الجفاف.
الاستراحة: يُفضل أداء صلاة المغرب قبل العودة للوجبة الرئيسية؛ فهذه الدقائق تمنح المعدة فرصة للاستعداد وإفراز الأنزيمات الهاضمة.
2 - «الطبق الصحي» ليكون إفطارك متوازناً، ويجب أن يحتوي طبقك على: الألياف (نصف الطبق): سلطة خضراء أو خضروات مطهوة، لتعزيز الشبع ومنع الإمساك.
البروتين (ربع الطبق): صدر دجاج مشوي، سمك، أو بقوليات، للحفاظ على الكتلة العضلية.
الكربوهيدرات المعقدة (ربع الطبق): أرز أسمر، برغل، أو خبز كامل النخالة، لضمان طاقة مستدامة.
3 - السحور: الوجبة التي لا تُعوض، حيث يعتبر السحور في الطب الوقائي «صمام الأمان» لمنع الهبوط والإعياء أثناء النهار.
تجنب: الأطعمة المملحة، المخللات، والمقليات؛ لأنها تزيد من الشعور بالعطش الشديد.
اختر: الأطعمة بطيئة الهضم مثل الفول، البيض، والشوفان. ولا تنسَ «الزبادي» الذي يحسن الهضم ويقلل من الحموضة.
4 - فخ الجفاف ومشروبات رمضان، حيث يعتقد الكثيرون أن شرب كميات هائلة من الماء وقت السحور يمنع العطش، والحقيقة أن الكلى تتخلص من الماء الزائد سريعاً.
الحل: اشرب الماء بانتظام (كوب كل ساعة اذا أمكن) من الإفطار وحتى السحور.
تحذير: قلل من العصائر الرمضانية المحلاة والمشروبات الغازية، واستبدلها بشاي الأعشاب أو الفواكه الطازجة.
5 - النشاط البدني: متى وكيف؟
أفضل وقت لممارسة رياضة خفيفة (كالمشي) هو قبل الإفطار بساعة (لمن لا يعاني من مشاكل صحية) أو بعد الإفطار بساعتين، وتجنب الرياضات العنيفة في نهار رمضان لتفادي الجفاف وفقدان الأملاح المعدنية.