الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
خلصت دراسة بحثية علمية حديثة إلى أن الصدقة، بوصفها ممارسة إنسانية وإسلامية، تتجاوز المفهوم المادي الضيق لتصبح آلية فعّالة لإنتاج القيمة الأخلاقية والاجتماعية والتنموية في المجتمع، وأوضح التحليل السوسيولوجي أن الصدقة ليست مجرد فعل تعبدي فردي يرتبط بالزكاة أو العطاء المالي، بل هي ممارسة متعددة الأبعاد تؤثر على الفرد والجماعة في آن واحد، وتشكل جزءًا من المنظومة الحضارية التي تعزز الاستقرار الاجتماعي، وتوطد الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، وتسهم في بناء رأس المال الرمزي والاجتماعي.
إعادة تفسير الصدقة
وأظهرت الدراسة العلمية المعنونة بـ»الصدقة بين المقصد التعبدي والوظيفة الاجتماعية» التي قام بها المهندس عبدالله بن إبراهيم الرخيص، أظهرت أن المجتمعات التقليدية كانت تدير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية ضمن إطار يجمع بين الدين والأخلاق، حيث كان العطاء وسيلة لتقوية الروابط الاجتماعية وتوزيع الموارد بطريقة عادلة، ومع ظهور الاقتصاد المعرفي، برزت الحاجة إلى إعادة تفسير الصدقة بما يتوافق مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، بحيث تشمل العطاء المادي والمعرفي والزمني، إضافة إلى دعم المبادرات التي تنمي قدرات الأفراد والمجتمعات على المدى الطويل.
قوة مضادة
وأبرزت الدراسة البحثية أن الصدقة يمكن أن تتحول إلى قوة مضادة للفردانية المفرطة التي تفرزها الحداثة الاقتصادية، حيث تعيد التوازن بين الملكية الفردية والمسؤولية الجماعية، وتخلق شبكة من التضامن الاجتماعي المستدام فالممارسات الأخلاقية المرتبطة بالصدقة، مثل: الصدقات الجارية والأوقاف التعليمية والصحية والمعرفية، تتيح للفرد والمجتمع إنتاج قيمة متجددة تتجاوز الفائدة اللحظية لتصل إلى أثر حضاري طويل الأمد، يعزز التنمية المستدامة ويحقق العدالة الاجتماعية، وفي ضوء هذا الفهم، يصبح من الممكن النظر إلى الصدقة كآلية للتمكين الاجتماعي والاقتصادي، وليس كحل مؤقت لإغاثة الفقراء فقط. فهي تعمل على بناء القدرات، وتوفير الفرص التعليمية والمهنية، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقوية الروابط المؤسسية والمجتمعية، كذلك يمكن أن تكون أداة لتعزيز الوعي العام عبر الإعلام المسؤول والمبادرات الثقافية، بما يدعم قيم العدالة والتكافل والمصلحة العامة.
توصيات مهمة
وخرجت الدراسة العلمية بتوصيات مهمة، ومنها: توسيع مفهوم الصدقة ليشمل المعرفة والوقت والمهارات: من حيث وجوب أن تتجاوز الصدقة المادية لتشمل الدعم المعرفي، مثل: التعليم والتدريب، والمساهمة بالوقت والمهارات في مشاريع تنموية، ما يعزز قدرة المجتمع على إنتاج قيمة مستدامة، وترسيخ الصدقات الجارية والأوقاف المعرفية والتنموية: يُنصح بإطلاق أوقاف تعليمية وصحية ومؤسسات معرفية تعمل على تحقيق أثر مستدام، بحيث تتجاوز المساعدة المؤقتة لتصبح جزءًا من البنية الحضارية للمجتمع، ودمج الصدقة ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية: على الجهات الحكومية والخاصة والمؤسسات غير الربحية اعتماد نماذج مبتكرة للتمويل الاجتماعي، مثل: الصناديق المشتركة، والمشاريع التنموية متعددة القطاعات، لضمان فعالية توزيع الموارد وتعظيم أثرها الاجتماعي.
ثقافة العطاء
وشددت الدراسة على استخدام مؤشرات تقييم الأثر الاجتماعي: لضمان استدامة المشاريع الخيرية والتنموية، ينبغي تطوير مقاييس دقيقة لمتابعة أثر الصدقة على الفقر والتعليم والصحة وفرص العمل، بحيث يتم تقييم النتائج على المدى الطويل وليس مجرد التبرع اللحظي، وتعزيز الثقافة المجتمعية للعطاء: يشمل ذلك برامج التوعية، وتقديم نماذج إيجابية، وإبراز أثر الصدقة على الفرد والمجتمع، لخلق بيئة تشجع على المشاركة الفاعلة والتكرار المستدام للفعل الخيري، وتشجيع الابتكار في نماذج التمويل الخيري: يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مثل: صناديق المنح الطويلة الأمد في سنغافورة وكوريا، لتطوير نماذج محلية مبتكرة تتوافق مع القيم الثقافية والدينية، وتحقق تأثيرًا أكبر على المجتمع، والاستفادة من الإعلام المسؤول: يجب دعم الإعلام المستقل والموجه نحو نشر قيم التضامن والتكافل، والتعريف بأهمية الصدقة كوسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الوعي بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية.
أثر طويل الأمد
وأكدت الدراسة البحثية على تعزيز التكامل بين الاقتصاد والأخلاق: على صانعي السياسات والخبراء الاجتماعيين إدماج المقاصد الأخلاقية والروحية للصدقة ضمن الإستراتيجيات التنموية، بحيث تصبح جزءًا من الاقتصاد الاجتماعي الذي يعزز العدالة والتضامن والاستقرار، وتنمية رأس المال الاجتماعي والرمزي: تشجيع الممارسات التي تبني الثقة والعلاقات الاجتماعية، من خلال برامج تشاركية وعطاء جماعي، ما يعزز قدرة المجتمع على التعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية، والتركيز على أثر طويل الأمد: ينبغي تصميم مشاريع الصدقة بحيث تحقق فوائد مستمرة، مثل: التعليم والتدريب والإبداع، بدلاً من الاكتفاء بالإغاثة الفورية، بما يضمن تحويل الفعل الخيري إلى قوة مستدامة للتنمية البشرية والحضارية، مع تعزيز التعاون بين القطاعات: تشجيع الشراكات بين الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات غير الربحية والمجتمع المدني، لتوفير الموارد والخبرات، وتفعيل دور الصدقة في التنمية المستدامة بطريقة تكاملية وفعّالة.
واختتم م. عبدالله الرخيص القول: يصبح العطاء الإسلامي ممارسة متجددة، متكاملة، وقادرة على الجمع بين البعد التعبدي الفردي، والأثر الاجتماعي والاقتصادي المستدام، بحيث يتحول من مجرد فعل خيري محدود إلى آلية إنتاج حضاري شامل تعيد تشكيل المجتمع، وتعزز العدالة والتضامن، وترسخ التنمية المستدامة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والثقافية.