عايض بن خالد المطيري
تمرّ على مسامعنا بين الحين والآخر عبارة قصيرة في نشرات الأخبار أو في بيانات الجهات المختصة: «تم الاعتراض والتصدي». كلمات قليلة، تُقال في ثوانٍ، ثم يمضي الناس في يومهم كأن شيئًا لم يحدث. يواصلون أعمالهم، يخططون لمناسباتهم، يستعدون للأعياد، وتبقى الحياة تمضي بإيقاعها المعتاد دون أن يتغير على الناس شيء.
لكن خلف تلك العبارة المختصرة قصةٌ أطول بكثير مما تبدو عليه. فهي ليست مجرد خبر عسكري عادي في شريط إخباري، بل نتيجة منظومة كاملة من اليقظة والاستعداد والتضحية. منظومة تعمل بصمت كي تبقى حياة الناس طبيعية كما هي، دون أن يشعروا بثقل الخطر أو اقتراب التهديد.
والحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح إن استمرار حياتنا بهذا القدر من الطمأنينة ليس أمرًا تلقائيًا. فالعالم من حولنا يموج بالتوترات والصراعات، وتكاد أخبار القلق الأمني تصبح جزءًا يوميًا من حياة كثير من الشعوب. أما نحن، فحين نسمع خبر الاعتراض والتصدي، لا يتغير برنامج يومنا، ولا تتوقف حركة الأسواق، ولا تُطفأ أنوار البيوت خوفًا من المجهول. وهذا في حد ذاته نعمة تستحق التأمل قبل أن تستحق الشكر.
ومن الإنصاف قبل كل شيء أن يُقال إن ما نعيشه من أمن واستقرار هو توفيق من الله قبل أن يكون نتاج أي جهد بشري. فكم من بلاء صرفه الله عنا بلطفه، وكم من كيد أبطله بحفظه، وكم من خطرٍ كُتب له أن يزول قبل أن يصل. هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عن وعينا؛ لأن الشعور بنعمة الأمن يبدأ من الاعتراف بأن حفظ الأوطان نعمة إلهية عظيمة تستوجب الحمد والثناء.
غير أن هذا التوفيق الإلهي لم يكن ليظهر أثره على الأرض لولا وجود قيادة جعلت أمن الوطن أولوية لا تقبل المساومة. فمن يتأمل حجم الإمكانات التي سُخرت لحماية البلاد يدرك أن الأمن هنا لم يُترك للصدفة، بل بُني على رؤية واضحة واستثمار مستمر في القدرات العسكرية والأمنية والتقنية.
ولهذا فإن كلمة الشكر لولاة الأمر ليست مجرد مجاملة خطابية، بل اعتراف بواقع ملموس: قرار سياسي ثابت بأن يبقى أمن المواطن فوق كل اعتبار، وأن تُرصد له الإمكانات التي تضمن حماية الوطن واستقراره مهما تعاظمت التحديات.
ومع ذلك، تبقى الصورة ناقصة إن لم نتذكر أولئك الذين يقفون في خط المواجهة الأول. الجنود الذين لا تظهر أسماؤهم في الأخبار، ولا تُنشر صورهم في العناوين، لكنهم حاضرون في كل لحظة خطر. يسهرون حين ينام الناس، ويتأهبون حين ينشغل المجتمع بشؤونه اليومية.
هؤلاء لا ينتظرون سوى دعوة صادقة بأن يحفظهم الله ويثبت أقدامهم. دعوة بأن يسدد رميهم، وأن يردهم إلى أهلهم سالمين، وأن يكتب لهم الأجر على ما يقدمونه من تضحية وصبر ورباط.
ولعل أخطر ما قد يواجه المجتمعات الآمنة هو الاعتياد على النعمة حتى تفقد حضورها في الوعي. حين تتحول الطمأنينة إلى أمر مسلّم به، ويصبح الأمن وكأنه حالة طبيعية لا تحتاج إلى تقدير أو شكر. لذلك فإن سماع عبارة «تم الاعتراض والتصدي» يجب أن يكون لحظة تذكير لا لحظة مرور عادية. تذكير بأن هناك من يعمل في الخفاء كي تبقى حياتنا هادئة كما نحبها.
إن أقل ما يمكن أن يفعله المجتمع أمام هذه النعمة هو أن يحفظها بثلاثة أمور واضحة: شكر الله عليها، والوقوف صفًا واحدًا خلف قيادته، والدعاء الدائم لمن يحرسون حدوده. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا وعي أهلها بقيمة ما يملكون..
اللهم أدم علينا أمننا، واحفظ بلادنا من كل مكروه، وأصلح ولاة أمرنا، واحفظ جنودنا بعينك التي لا تنام، واجعل هذا الوطن دائم الطمأنينة، عامرًا بالحمد والشكر والذكر.