مرفت بخاري
القبول ليس حالة عاطفية عابرة ولا فضيلة أخلاقية تمارس على الهامش، بل هو موقف وجودي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وواقعه، نحن في الغالب لا نرفض الحدث ذاته بقدر ما نرفض شعورنا بالعجز أمامه، نرفض هشاشتنا ونقاوم صورتنا حين لا تكون كما أردنا لها أن تكون، ومن هنا تبدأ المعركة الخفية التي تستنزف الروح أكثر مما يستنزفها الألم نفسه، لأن المقاومة المستمرة تخلق ظلاما داخليا يجعلنا نرى كل شيء من زاوية الصدام لا من زاوية الفهم
القبول في معناه العميق ليس رضا ساذجا ولا استسلاما يطفئ الإرادة، بل هو وعي صاف يعترف بأن الواقع ليس ساحة لإثبات السيطرة بل مساحة لاختبار النضج، الاستسلام يتوقف عند حدود العجز أما القبول فيتحرك من داخل الإدراك، الاستسلام انطفاء، أما القبول فبداية ضوء هادئ يتشكل في الداخل دون ضجيج وحين يتشكل هذا الضوء تتغير طريقة النظر إلى الألم فيتحول من خصم يجب سحقه إلى تجربة يمكن فهمها، ومن عبء ثقيل إلى معنى قابل للاحتواء.
في زمن المنصات المفتوحة يتجلى غياب القبول بصورة أكثر تعقيدا، إذ لم يعد الرفض حالة داخلية فقط بل أصبح عرضا عاما تتغير أنماط الحياة فجأة وتولد ردود فعل غير مسبوقة، ويتحول السلوك الشخصي إلى بيان دائم لا بدافع القناعة بل بدافع إثارة الانتباه، لأن الانفعال يلفت النظر، والهدوء لا يحقق مشاهدة، وحين يعجز البعض عن تقبل واقعهم يصنعون واقعا مثيرا للجدل وحين يعجزون عن قبول ذواتهم يعيدون تشكيلها بصورة صادمة، كأن التطرف في السلوك يمنحهم شعورا مؤقتا بالسيطرة وكأن الضجيج يعوض عن هشاشة لم تتم مصالحتها.
تستغل مشاعر الناس بعدم القبول فيعاد تضخيم القضايا لا بهدف الإصلاح بل بهدف الاستثمار في الانفعال، يتحول الألم إلى مادة قابلة للتداول ويصبح الغضب وقودا لحملات متتابعة ويعاد إنتاج الجدل لأنه يبقي الضوء مسلطا، غير أن هذا الضوء ليس نور وعي، بل وهج عدسات سريع الاشتعال سريع الخفوت وما لا ينبع من الداخل يبقى محتاجا إلى جمهور ليستمر.
القبول على النقيض فعل صامت لا يبحث عن تصفيق ولا يحتاج إلى إثبات، هو مواجهة داخلية عميقة تعيد ترتيب الأولويات وتحرر الإنسان من حاجته المستمرة إلى رد الفعل، حين يقبل ذاته بضعفها ونقصها وتاريخها يتوقف عن صناعة نسخ متطرفة منها، وحين يقبل حدثا لا يستطيع تغييره يتحرر من تضخيمه ويتحول من الانفعال إلى الاختيار ومن التوتر إلى الفعل الواعي، فيصبح حضوره أكثر اتزانا وتأثيره أصدق لأن النور الذي يشع منه ليس انعكاسا لاهتمام عابر بل أثر مصالحة حقيقية.
القبول لا يقتل الطموح، بل ينقيه ولا يسكت الصوت، بل يحرره من الصراخ وهو لا ينهي الألم، لكنه يغير شكله ويضعه في سياق أوسع يمكن احتماله وفهمه، ومن هذا الفهم يتولد نوع من الصفاء يجعل الإنسان أقل حاجة لإثبات ذاته وأكثر قدرة على بنائها بهدوء، فالقبول ليس تنازلا عن الحياة بل ارتقاء في رؤيتها ومن هذا الارتقاء يشع النور الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليكون مرئيًا.
لسنا في حاجة إلى صدمة جديدة كل صباح، ولا إلى قضية مصنوعة بعناية لتستفز عواطفنا وتستنزف انتباهنا، لقد تحول الترند إلى إيقاع يومي يفرض علينا كيف نشعر وكيف نغضب وكيف نصطف، حتى أصبح الانفعال واجبًا اجتماعيا لا خيارا شخصيا، ومع كل موجة صاخبة نخسر شيئا من قدرتنا على التمييز ونفقد شيئا من ذائقتنا الهادئة للحياة.
جيل كامل ينشأ اليوم على سرعة الإثارة لا يعرف السكون ولا يختبر الجمال البسيط، الذي لا يحتاج إلى إعلان ولا يرى الاحترام قيمة مستقلة عن التصفيق، ولا يفهم الرضى إلا بوصفه ضعفًا بينما هو في حقيقته نضج عميق لقد تربينا على أن الحياة ليست عرضًا مستمرًا، وأن الكرامة لا تحتاج جمهورًا، وأن الهدوء ليس عجزا بل قوة متماسكة.
ربما آن الأوان أن نكتفي من تضخيم كل عابر، وأن ننسحب من آلية الصدمات الموجهة التي تُدار بمهارة لتبقي عقولنا في حالة استنفار دائم، لأن أخطر ما يمكن أن نمنحه للضجيج هو طاقتنا، وأخطر ما يمكن أن نورثه للجيل القادم هو فكرة أن القيمة لا تُرى إلا إذا أحدثت جلبة.
القبول ليس انسحابا من الواقع بل رفض أن نكون أدوات في تضخيمه، وهو اختيار واع بأن نعيد تعريف الضوء في حياتنا فلا يكون ومضة عابرة تلتهمها الشاشات، بل نورا ثابتا ينبع من الداخل نور يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يمر الكرام مرور الكبار.
فليس كل ما يلمع قضية، وليس كل ما يثير يستحق أن يُمنح أعصابنا ووقتنا، وما لم نتعلم أن نقبل بهدوء ونفكر بعمق سنبقى أسرى موجات لا تنتهي، بينما الحياة في جوهرها أبسط وأجمل وأصدق مما يريد لها الضجيج أن تكون.
فقط كونوا بخير.