منى السعدي
أردد دائمًا لكل من حولي نصيحة أؤمن بها إيمانًا ثابتًا (لا تستذكي مع الذكي) مهما بلغت من حنكة أو ظننت أنك بلغت من الدهاء مبلغًا، فهناك عقول تقرأ ما خلف الأفعال، وتفهم ما يُراد قبل أن يُقال، وأخرى غارقة في قاع اللامبالاة وسوء التصرّف، تظن أن المراوغة حيلة، وأن التلاعب نجاة. لم تخبرنا الأساطير القديمة ولا قصص الأنبياء والرسل ولا حتى تجاربنا اليومية أن ظالمًا انتصر بظلمه إلى الأبد، أو أن كذبةً صمدت طويلًا أمام يقين الحقيقة، وقد يتأخر السقوط وقد تتبدّل الأقنعة، لكن الوجه الحقيقي لا يلبث أن ينكشف مهما طال الزمن.
ولأن لكل مقامٍ مقال، فإن أهل الحكمة والخبرة هم المرجع عند التباس الأمور، وهم الميزان عند اختلاف الروايات، هكذا جرت السنن منذ الأزل وحتى اليوم، وما دامت الحقائق ثابتةً وموجودة فلا حاجة للتشكيك ولا للتشتيت فالحقيقة لا تتبدل ولا تتغير.
ومن باب النصيحة الرحبة لا من نافذة العتاب أو المقصد، تأتي الشواهد واضحة في صفحات التاريخ، ففرعون الذي بلغ ذروة السلطة والتأليه سقط في لحظة وبقيت قصته عِبرة لا مجدًا حين ظن أن الأقنعة والبطش يحميانه، وكذلك الحجاج بن يوسف ذكي خطيب مخيف غير أن التاريخ لم يخلّده بعدله بل ببطشه بينما خُلّد من عاصروه بالصبر والحكمة، وفي ذلك قال ابن خلدون: (الظلم مؤذن بخراب العمران).
فالحق ثابت والباطل زائل والمكر لا يدوم مصداقًا لقوله تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (سورة الإسراء:81)، وكذلك قوله عزّ وجلّ: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (سورة فاطر: 43)، في تأكيدٍ أن الباطل قد يعلو مؤقتًا لكنه لا يستقر وأن الخديعة لا تعود إلا على صاحبها.
وفي الختام، قد تتعدد الأقنعة، وقد يطول زمن الادعاء، غير أن الحقيقة تفرض حضورها في نهاية المطاف وحينها لا يبقى مجال للالتباس ولا موضع للتأويل: {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} (سورة يوسف: 51).