د.عبدالرحيم محمود جاموس
في هذا العالم الذي يضجّ بالأصوات والآراء، كثيراً ما يعلو الصخب حتى يُخيَّل للناس أن الحقيقة تُقاس بارتفاع الصوت، وأن كثرة القائلين تصنع الصواب. غير أن التأمل الهادئ يكشف مفارقة قديمة: أعدادُ الحمقى غالباً ما تفوق أعداد الحكماء، كما تفوق الأعشابُ البرية أشجارَ الزيتون العتيقة.
الحكيم يمضي في الحياة هادئاً، كمن يحمل مصباحاً صغيراً في ليلٍ طويل؛ يعرف أن الضوء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. أما الحماقة فترفع صوتها سريعاً، وتلوّح بآرائها كأنها يقينٌ لا يقبل النقاش.
لكن الحقيقة الأعمق أن الحكيم نفسه ليس معصوماً من ظلّ الحماقة. ففي داخل كل إنسان لحظة ضعف، وهفوة فكر، ورغبة قد تُضلّ الطريق. نحن لسنا حكماء خالصين ولا حمقى تماماً؛ بل مزيجٌ معقّد من بصيرةٍ وغفلة، من نورٍ وعتمة.
الفارق الجوهري أن الحكيم حين يكتشف حماقته يتواضع ويصمت ليتأمل، بينما الأحمق إذا انكشف جهله يرفع صوته أكثر، ظنّاً منه أن الضجيج يغطي الفراغ.
ولهذا يبدو العالم أحياناً صاخباً إلى هذا الحد: ليس لأن الحكمة غائبة تماماً، بل لأن الحماقة تتحدث بلا تردّد.
ومع ذلك تبقى الحكمة، كالبذرة الصامتة في عمق الأرض؛ قد لا تُرى سريعاً، لكنها وحدها القادرة على أن تُنبت وعياً وحياة. ولعل أول الطريق إليها أن يعرف الإنسان حدود نفسه، وأن يدرك أن في داخله قدراً من الحماقة كما فيه قبسٌ من الحكمة.. ومن هذا الإدراك تبدأ الحكمة الحقيقية.