د.أمل بنت محمد التميمي
في هذه المقالة لا أنقل خبر فعالية عابرة، بل أكتب عن طقس رمضاني ثقافي ظهر في المشهد الأدبي السعودي لأول مرة، في تاريخ 24 فبراير 2026م الموافق 7رمضان 1447هـ التي أقيمت في الرياض، متزامنًا مع الاحتفاء بيوم التأسيس. ففي مساء رمضاني امتزج فيه عبق الذاكرة بروح المناسبة الوطنية، أقام نادي النَّوَى ضمن برنامج الشريك الأدبي في نسخته الخامسة أمسية ثقافية بعنوان المؤنِسَة: صوت الجدّات في الذاكرة، في محاولة واعية لاستعادة أحد أقدم أشكال السرد الشعبي في المجتمع.
استضافت الأمسية الجدة البندري بوصفها مؤنِسَة تحمل ذاكرة حيّة بالحكايات الشعبية، وتجيد فن الحكي الذي كانت الجدّات يتوارثنه في ليالي رمضان. وجاءت هذه المبادرة لإحياء الحكاية الشفهية وتسليط الضوء على دور كبار السن من النساء بوصفهن حَمَلة للذاكرة المجتمعية، وإدماج هذا التراث السردي في المشهد الثقافي المعاصر، ليبقى صوت الجدّات جزءًا من الهوية الثقافية السعودية الممتدة.
جلست المؤنِسَة الجدة البندري في صدر المجلس مرتدية ثوب النشل النجدي القديم، تحيط بها مائدة صغيرة تحمل بعض الرموز التراثية، بينما التفّ حولها الحضور في حلقة دافئة جمعت أعمارًا مختلفة؛ أطفالًا ويافعين وكبارًا وجدّات في مثل عمرها. كان المشهد لافتًا وغير مألوف في الفضاء الثقافي السعودي المعاصر، إذ نادرًا ما تجتمع الأجيال حول حكاية شفوية حيّة تخرج من ذاكرة الجدّات إلى جمهور أدبي جديد.
ومع ابتسامتها الهادئة بدأت الجدة بسلسلة من الحكايات الشعبية التي تناقلها الناس في نجد، مستعيدةً صور رمضان القديم؛ المجالس العائلية، واجتماع الأقارب، وروائح اللقيمات وشراب الفيمتو والططلي والشعرية التي ارتبطت بموائد الإفطار. ثم انتقلت إلى حكايات أعراس زمان وكثير من الحكايات من الذاكرة الشعبية مثل: ريح أم حمد، وأبو نِيّة وأبو نِيّتَين، وقصة سنة الهدّام، وحكاية «الحنشل»، وغيرها من القصص التي تحمل في طياتها حكمًا شعبية وصورًا نابضة من حياة الناس قديمًا.
وشهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور مع الحكايات التي روتها الجدة البندري، إذ تنقّلت بين قصص من الذاكرة الرمضانية القديمة؛ حكايات عن ليالي رمضان في البيوت النجدية، وعن عادات التهادي بالطعام بين الجيران، ومواقف من الحياة اليومية كانت الجدّات يروينها للصغار في المجالس العائلية. وقدّمت الجدة هذه الحكايات بلهجتها النجدية القُحّة التي تحمل مفردات أصيلة من التراث اللغوي المحلي، الأمر الذي أثار فضول الجيل الجديد؛ إذ توقّف بعض الحضور عند كلمات لم تعد متداولة اليوم مثل (الحنشل، ياطخمة، وثوب النشل، وثياب المسرح..إلخ)،
ووضحت لهم أن الحنشل تعني قطاع الطرق باللهجة النجدية القديمة، وثوب المسرح يلبس في الأعراس.. فكان الحوار يتجدد حول معانيها ودلالاتها. ومع هذا التفاعل تحوّلت الحكاية إلى مساحة تعلّم حيّة، يكتشف فيها اليافعون جمال المفردة الشعبية ودفء الذاكرة، بينما يستعيد الكبار صوت الماضي في لهجته الأصيلة، لتتجلى الحكاية بوصفها جسرًا حيًا يربط الأجيال.
لا تُقاس قيمة الطقوس الرمضانية بما فيها من مظهر احتفالي فحسب، بل بما تختزنه من ذاكرة، وما تنقله من معنى عبر الأجيال. وفي هذا الإطار تأتي فعالية المؤنِسَة: صوت الجدّات في الذاكرة بوصفها مبادرة تستعيد الحكاية الشفوية لا كحنينٍ للماضي فقط، بل كفعلٍ أدبي حيّ يعيد كبار السن إلى قلب المشهد الثقافي، ويمنح اليافعين فرصة الإصغاء إلى السرد بوصفه أحد جذور الهوية الوطنية.
ولو ألمحنا سريعا عن رمضان، في كثير من الثقافات الإسلامية، ليس شهر عبادة فحسب، بل شهر طقوس؛ والطقس بطبيعته يحمل وظيفة رمزية واجتماعية وجمالية.
على سبيل التمثيل في مصر، ارتبط الشهر بصور مثل الفانوس ومدفع الإفطار وذاكرة الشارع الشعبي؛ وفي بلاد الشام والمقاهي العربية القديمة ارتبط بالحكواتي؛ وفي الخليج والسعودية ارتبط بعادات مثل الطعمة أو تبادل الأطعمة بين الجيران، والمسحراتي، واحتفالات القرقيعان في بعض المناطق والغبقة، إضافة إلى موائد الإفطار الجماعي وطقوس المجالس الرمضانية. وتؤكد المصادر السعودية الرسمية استمرار عدد من هذه العادات، ومنها تبادل الأطعمة قبيل المغرب، ووجود المسحراتي في بعض البيئات، واحتفالية القرقيعان في منتصف الشهرـ ونحن بدورنا في الشريك الأدبي نريد أن نفعل طقس المؤنسة في رمضان ويأتي دور الشريك الأدبي المدهش في تفعيل هذا الطقس بوصفه طقسا سعوديا بامتياز في جميع مناطق السعودية وتشارك فيه جميع المنصات الثقافية بوصفه طقسا أدبيا للحكاية الشفهية للمؤنسة في رمضان.
ما يلفت النظر في التجربة السعودية أن جانبًا مهمًا من طقوس رمضان ظل طويلًا داخل البيت: في المطبخ، وال مجلس، وحكايات الجدّات، وأصواتهن وهن يروين للصغار قصص الناس والأمكنة والعادات. هنا لا تكون الجدة مجرد راوٍ عابر، بل (مؤنِسَ) بالمعنى الثقافي العميق؛ امرأة تمتلك موهبة الحكي، تحفظ الذاكرة، وتربط تفاصيل الحياة اليومية بالقيم، وتحوّل الخبرات الصغيرة إلى مادة سردية حية. وإذا كان الحكواتي في بعض البلدان يؤدي الحكاية في المقاهي والساحات العامة، فإن الجدة السعودية أدّت هذا الدور تاريخيًا داخل الفضاء العائلي، حيث أصبحت الحكاية جزءًا من التربية، وبناء الخيال، وتشكيل اللغة لدى الأجيال.
وإذا كانت الحكاية في الماضي تُروى داخل المجلس العائلي في البيوت، فإن ما حدث في هذه الأمسية هو انتقال المؤنِسَة من فضائها التقليدي إلى الفضاء الثقافي العام. فجلوس الجدة البندري أمام جمهور متنوع من الأعمار لم يكن مجرد عرضٍ لحكايات قديمة، بل كان استعادةً لوظيفة اجتماعية وثقافية كادت أن تنحسر مع تحولات الحياة الحديثة. وهنا تتجلى أهمية هذه المبادرة؛ إذ تحوّلت الحكاية من ممارسة منزلية خاصة إلى فعل ثقافي معترف به، يُعاد تقديمه بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية ومن عناصر السرد الشعبي التي تشكّل الهوية الثقافية السعودية. وبهذا المعنى لم تعد المؤنِسة مجرد جدة تروي القصص لأحفادها، بل أصبحت حافظةً لذاكرة المجتمع وراويةً لخبراته اليومية، ينصت إليها جيل جديد يكتشف من خلالها مفردات الماضي وصور الحياة التي صنعت وجدان المكان.
ولم تخلُ الأمسية من مداخلات لافتة من بعض الجدّات الشابات اللواتي عبّرن عن شعورهن بالعجز أحيانًا عن سرد الحكايات لأحفادهن، لافتقارهن إلى مادة شعبية متوارثة يمكن استحضارها في المجالس؛ إذ يجدن في المكتبات غالبًا قصصًا مترجمة أو حكايات موجهة للأطفال بصيغ تعليمية معاصرة لا تحمل روح السرد الشعبي المحلي. وقد كشفت هذه المداخلات عن حاجة ملحّة إلى حفظ هذا الموروث الشفهي وإحيائه، عبر تناقله في المقاهي الثقافية والمنصات الأدبية والمساحات الإبداعية، ليعود فن الحكاية إلى التداول الاجتماعي ويغدو ظاهرة ثقافية حيّة تعبر بين الأجيال.
ومن هذه الزاوية تبدو فعالية المؤنِسَة أكثر من أمسية تراثية أو أدبية؛ إنها إعادة تموضع لكبار السن داخل البرنامج الأدبي. فإدراج الجدّات وكبار السن ضمن مشروع الشريك الأدبي لا يعني مجرد استضافة فئة عمرية مختلفة، بل يعني الاعتراف بأن الحكاية الشفوية نفسها مادة أدبية، وأن الذاكرة المنزلية ليست أقل قيمة من المنصات المكتوبة. ولهذا فإن الفعالية تنقل الخبرة من الهامش إلى المتن، ومن الخاص إلى العام، وتحوّل ما كان يُروى في المجالس العائلية إلى حدث ثقافي معترف به في المشهد الأدبي الثقافي السعودي. كما تفتح هذه المبادرات المجال أمام شراكات أوسع مع المؤسسات المعنية بالتراث الثقافي، مثل هيئة التراث وغيرها من الجهات الثقافية، بما يسهم في حفظ السرد الشفهي السعودي وتوثيقه وتقديمه بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية الحيّة.
وحين ننظر إلى طقوس رمضان في الشعوب الأخرى نفهم قيمة هذه المبادرة أكثر. فـ فانوس رمضان مثلًا صار في مصر رمزًا يتجاوز وظيفته الأولى، وتحول إلى علامة ثقافية وبصرية للشهر، مع شيوع الرواية التي تربطه بخروج الخليفة الفاطمي أو بمظاهر الاستقبال الشعبي لرمضان في العصر الفاطمي. كما ظل مدفع الإفطار في عدة بلدان أداة إعلان وذاكرة جمعية، وبقي الحكواتي في الشام والمغرب الكبير شاهدًا على أن الحكاية ليست تسلية عابرة، بل مؤسسة شعبية لحفظ التاريخ والبطولة والقيم.
وفي السعودية لا تقل الطقوس الرمضانية ثراءً عن غيرها من المجتمعات الإسلامية؛ فبعض المشاهد الرمضانية أصبحت صورًا ثقافية يتابعها ملايين الناس عبر القنوات التلفزيونية، مثل مشهد سفر الإفطار في المسجد النبوي الشريف حيث يجتمع الصائمون على التمر واللبن، ويُقدَّم اللبن مع الدقة في طقس بسيط لكنه يحمل دلالة اجتماعية وروحية عميقة. ومع اختلاف الأكلات بين المناطق، من السمبوسة والشوربة إلى السوبيا والتمر الهندي واللقيمات، ظل تبادل الأطعمة بين الجيران من أكثر العادات حضورًا في المجتمع السعودي. هذه التفاصيل اليومية ليست بعيدة عن الأدب؛ فهي مادته الخام: الروائح، والموائد، ونداءات الأطفال، وصوت المسحراتي، وذكريات القرقيعان، والمقيمين في السعودية المشاركين لهذه الطقوس والتفاعل معها. ومن هنا يمكن فهم مبادرة المؤنِسَة بوصفها محاولة لإحياء طقس ثقافي آخر من طقوس الذاكرة، يتمثل في الحكاية الشفوية التي كانت الجدّات يروينها في البيوت. وإذا كانت بعض الطقوس الرمضانية أصبحت مشاهد رمزية تُرى عبر الشاشات، فإن المؤنِسة تسعى إلى إعادة الحكاية الشعبية إلى التداول الثقافي، بوصفها جزءًا مما يُعرف علميًا بـ التراث الثقافي غير المادي؛ أي الممارسات والتقاليد الشفوية التي تنتقل بين الأجيال وتشكّل ذاكرة المجتمع وهويته.
ولا تقف فكرة المؤنِسَة عند حدود أمسية واحدة، بل تتجه الطموحات إلى أن تتحول إلى منصات أدبية حيّة تنتشر في مناطق المملكة، في المتاحف والمساحات الثقافية والمقاهي الأدبية وأماكن الشريك الأدبي التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة منصات مرموقة لعرض الأدب السعودي. فما حدث مع برنامج الشريك الأدبي أن الأدب خرج من القاعات التقليدية الضيقة إلى فضاءات لم تكن تخطر على البال؛ من المعارض الفنية إلى المقاهي والمتاحف والمساحات المجتمعية، ليصبح الأدب حاضرًا في الحياة اليومية للناس. وفي ظل التحولات الثقافية التي تعيشها المملكة في عصر رؤية السعودية 2030، لم تعد هذه المبادرات مجرد فعاليات عابرة، بل أصبحت مشاريع ثقافية تُحقق أحلامًا كانت تبدو بعيدة، وتفتح المجال لظهور أشكال جديدة من التعبير الأدبي، مثل المؤنِسَة بوصفها منصة تحفظ الذاكرة الشفهية وتعيدها إلى التداول الثقافي بين الأجيال.
من هنا يمكن فهم المؤنِسَة بوصفها محاولة سعودية واعية لإحياء طقس محلي أصيل، لا باستنساخ نموذج الحكواتي كما هو، بل بإبراز الصوت السعودي الخاص: صوت الجدة، وصوت البيت، وصوت الحكاية التي خرجت من المجلس العائلي إلى المنصة الثقافية. والتميّز هنا أن المبادرة لا تكتفي بتقديم (تراث) للعرض، بل تسعى إلى تشغيله في الحاضر: اليافعون يسمعون، وكبار السن يروون، والمشهد الأدبي يتسع ليعترف بأن التجربة الحية نفسها نصّ.
ولذلك فإن أهمية هذه الفعالية في رمضان مضاعفة. فالشهر بطبيعته زمن تأمل وتواصل واستعادة. وفيه تصبح الحكاية أكثر قابلية للإصغاء، لأن الناس أصلًا يعودون إلى المجالس، والروابط العائلية، والذاكرة المشتركة. وهنا تنجح المؤنِسَة في أن تجعل من رمضان موسمًا ليس للعبادة والضيافة فحسب، بل أيضًا للسرد، ولتعليم الأجيال أن الذاكرة الشفوية ليست بقايا ماضٍ، بل مورد أدبي وثقافي قابل للحياة.
وفي الختام، ولو لم أقم في حياتي إلا هذه الفعالية (المؤنسة) لكفتني؛ فقد رأيت في عيون الجدّات والأمهات والأباء والأحفاد فرحًا مشتركًا يعيد للحكاية دفئها القديم.» ونشكر هيئة الأدب والنشر والترجمة على مبادراتها الداعمة للمشهد الثقافي، وكل الجهود التي تسهم في النهوض بالأدب السعودي وتوسيع حضوره في المجتمع. ولعلنا في المستقبل القريب نرى المؤنِسَة حاضرة في المنصات الدولية، تُؤنس أبناءنا المبتعثين في كل أرض، وتحمل إليهم دفء الحكاية السعودية وذاكرة المكان.
إن ما يفعله الشريك الأدبي عبر هذه البرامج هو الانتقال من رعاية الفعاليات بوصفها أحداثًا عابرة إلى رعايتها بوصفها بنية ثقافية مستدامة؛ حيث يربط التراث غير المادي بالأدب، ويجعل المجتمع شريكًا في إنتاج المعنى، ويمنح كبار السن موقعًا فاعلًا لا رمزيًا فقط. وفي هذا تتجلى قيمة المؤنِسَة: ليست مجرد عنوان جذاب، بل صيغة سعودية لإحياء السرد الشفهي، وتأكيد أن الأدب يبدأ أحيانًا من صوت الجدة قبل أن يصل إلى الصفحة.
** **
- جامعة الملك سعود