د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
يقود النظر في تعريف (النظم) بوصفه (توخي معاني النحو بين الكلم) و(تعليق الكلم بعضها ببعض) إلى أن البيان العربي لا يقوم على انتظام الألفاظ وحده، بل على تدرج علائقي قصدي تتداخل فيه ثلاثة أبعاد: بعد (التعليق) من حيث بناء الروابط النحوية، وبعد (التوخي) من حيث قصد الوجه المعنوي الذي تنتظم عليه تلك الروابط، وبعد (التقديم) من حيث تقديم ما يقتضيه المقام في ترتيب البيان، وعلى هذا لا يكون موقع الكلمة عنصرًا بنائيًا فحسب، بل يغدو عنصرًا دلاليًا بلاغيًا يسهم في أداء الرسالة البلاغية نفسها.
وهذه الأبعاد لا تتحرك في فراغ، بل تصدر عن (العناية) التي يحملها المتكلم. و(العناية) هنا ليست خاطرًا عابرًا، ولا جهدًا ظاهرًا في لحظة الإنشاء، بل هي ملكة متراكمة، أصلها (الوعي بمقامات الكلام ومسالك القول)، وثمرتها (إصابة الغرض على الوجه الذي يقتضيه المقام)، فإذا رسخت هذه الملكة صارت طبعًا، يجري بسببها الكلام البليغ على لسان صاحبها من غير تكلف، بل لأنه تشربها حتى صارت فيه سجية تدير شأن البيان، وتحقق شروط النظم في مسالك القول البليغ.
ويتجلى هذا التصور بوضوح في قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين)، إذ تكشف بنية الآية أن البلاغة لا ترجع إلى الألفاظ من حيث هي مفردات معجمية مستقلة، وهو الأمر الذي بينه الشيخ عبد القاهر الجرجاني في أول «أسرار البلاغة»، بل إلى انتظامها العلائقي المقصود، وذلك في جهات ثلاث:
فمن جهة (التعليق)، تنتظم الجمل في ترابط نحوي ودلالي محكم يجعل كل وحدة لفظية مشروطة بوظيفتها في الجملة.
ومن جهة (التوخي)، يظهر أن نظم الآية قد قصد إلى إبانة مشهد تتوالى فيه أوامر للكون وأحكام في نسق سريع جازم يناسب مقام الفصل الإلهي.
ومن جهة (التقديم)، يتبين أن ترتيب النداء والأفعال والنتائج لم يجر على تتابع لفظي عارض، بل على توزيع (العناية) بحسب ما يقتضيه المقام، حتى غدا موقع كل لفظة جزءًا من أدائها الدلالي، ومراجعة هذه الآية في كلام الشيخ عبد القاهر الجرجاني يوحي بهذا.
وبمجموع هذه الجهات الثلاث تصير الآية شاهدًا على أن (النظم) ليس تأليفًا بين الكلمات، بل هو توجيه للعلاقات والمواقع توجيهًا يجعل البنية اللغوية نفسها حاملة للرسالة البلاغية.
ويفضي هذا التطبيق إلى نتيجة نقدية أعم، وهي أن إحكام (النظم) شاهد على رسوخ (العناية) في أصل القول؛ إذ ليس (حسن التأليف) راجعًا إلى (ضم الألفاظ) بعضها إلى بعض فحسب، بل إلى (الوعي بمراتب العلاقات) التي ينبغي أن تنتظم بينها وفق مقتضى المقام.
وإذا كان هذا الإحكام في (القرآن الكريم) متجليًا على وجه الإعجاز، فإن البلاغة العربية قد استخلصت منه مبدأ نقديًا كليًا مؤداه أن (التفاوت بين الكلام) إنما يُرَدُّ إلى (التفاوت في الملكة) التي (تحسن) تعليق الكلم وتوخي معاني النحو فيها، وتقديم ما حقه العناية.
وعلى هذا يكون الكلام البليغ أثرًا ظاهرًا لتلك الملكة (العناية)، لا حادثة لفظية معزولة؛ لأن (العناية) بتحرير البيان إذا رسخت في الفؤاد تحولت إلى طبع بياني في النفس وبلاغي في الكلام، وصار (حسن الموقع)، و(إصابة المعنى)، و(موافقة الحال)، ثمرات حتمية لذلك الرسوخ.
ومن ثم فإن التفاوت بين خواصِّ تراكيب المتكلمين لا يرد إلى (جهد اللحظة) وحده، بل إلى مقدار ما ترسخ فيهم من هذه الملكة؛ إذ الكلام البليغ ثمرة (العناية) حين تستقر، لا أنه أمر سابقٌ عليها.
وإذا كانت (العناية) هي الأصل الباطن الذي تتولد عنه جودة البيان، فإن علوم البلاغة تتمايز بحسب الجهة التي تنظر منها إلى هذا التولد، وبحسب سعة المجال الذي تفسر فيه أثره؛ فـ(البديع) أوثقها اتصالًا ببنية النص في صورته النهائية، وفيه ما فيه من اختلافٍ في موقعه من صاحبيه، لكنّ الذي تكشفه (العناية) أنه لا يصيبُ منها أو لا تُصيبُ منه إلا بعد أنْ يستوفي علما (المعاني)، و(البيان) منها ما لا يغني علم البديع.
وعلم (البيان) أوسع من (علم البديع) من حيث عنايته بطرائق تمثل المعنى وإبرازه، ومقدار العناية فيه ما هو ظاهر من قيام كثير من حديث الشيخ عبد القاهر الجرجاني عن أثره وتأثيره في «أسرار البلاغة».
أما علم (المعاني) فهو أرحبها أفقًا لاتصاله بالعلاقات المقامية والأحوال التي يجري فيها الكلام، ولذلك كان أقرب علوم البلاغة إلى تفسير مناسبة القول لمقتضى الحال، وتطبيق محفوظ الكلام على اعتبارات المقامات.
** **
- جامعة الحدود الشمالية