أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ التذرُّع بـ«كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي لا ينبغي أن يعشينا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في رواية لا يعني رواية، لدَى من يعي وظيفة الأدب! فليس الأدب في أيِّ جنسٍ من أجانسه نقلًا وإخبارًا وفضحًا. هكذا تحدَّث (ذو القُروح) في المساق السابق. قلتُ:
- إنَّ نصًّا بلا فِكر، ولا نقد، ولا رؤية، أو فلسفة، هو محض تدوينٍ وتقييدٍ ووصفٍ إعلاميٍّ للأحداث.(1)
- أنا أعبِّر فأنا، إذن، موجود! ذلك أنَّ التفكير أساس الوجود الذهني، لكنَّه لا يكتمل إلَّا بالوجود الاجتماعي، المتمثِّل في التعبير. والكاتب الروائي حين لا يعي طبيعة الأدب وظيفته لا يعدو أن يكون خرِّيج تلك المدرسة الإخباريَّة؛ أي صحفيًّا من ذلك النوع الأَثْوَل، يسترزق عن هذا الطريق، ويبحث عن الشهرة والأضواء بأيِّ ثمن، وإنْ لم يجد مَن يفضح، فضح نفسه. وكثير من الأعمال هي بالفعل فضحٌ لأصحابها أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، وهم قد يسعون إلى ذلك سعيًا، ما دام يُدِرُّ عليهم المال والأضواء. أمَّا الأدب، فهو فِكر، ورسالة. ارتبط في المصطلح العَرَبي بالتهذيب القيمي والتأديب النفسي، «أدب»، وارتبط في مصطلحه الإنجليزي، مثلًا، بالحرف Literature، وما أدراك ما الحرف، وما قيمته الرمزيَّة، وأمانته العظمَى في المسيرة الإنسانيَّة؛ بما هو مفتاح إنسانيَّة الإنسان التي تميِّزه عن الحيوان(2)، وأوَّل مراقي الأبجديَّة الحضاريَّة في العالم.
- في هذا السياق تَصْدَع مقولة (غابرييل غارسيا ماركيز) في التفريق بين الكاتب الذي يؤمن بأنَّ الأدب موجَّه إلى: «تحسين العالم»، وآخَرين من الكُتَّاب يرون أنه فَنٌّ مكرَّس لـ«تحسين حساباتهم المصرفيَّة»!(3)
- ذلك أنَّ الأدب، منذ كان، كانت غاياته سامية، تتعلَّق بالجَمال والخير والحق. وأمَّا الشاذُّ فلا قيمة له ولا سُمُوَّ، وإنَّما هو الانحراف عن الأصل. واستخدام الشيء في غير ما وُجِد له يقع من الناس في كلِّ شؤونهم على مرِّ التاريخ، حتى في الأديان. ومشكل الكاتب الذي لا يعي هذه المفاصل النوعيَّة بين الإعلام المنفلت والأدب- الذي يستحقُّ أن يُطلَق عليه هذا الاسم- هو أنه يفتقر أصلًا إلى الأساس الفكري الذي يؤهِّله إلى فهم دهاليز هذا المجال. فإذا أضيف إلى هذا عدم احترامه عقول الناس، وأذواقهم، وقيمهم العامَّة، فتلك الطامَّة الكبرى. هذا مع الجهل بتاريخ النوع الأدبي الذي يكتب فيه الملقبُ بالشاعر أو الروائي، ولا سيما باختلاط الوظيفة الأدبية بالوظيفة الإعلاميَّة الشَّعبيَّة في عقله، كما هو حال معظم هؤلاء.
- ربما ليس لعدم تمييز الكاتب كوعه من بوعه، بالضرورة، ولكن أحيانًا لاستخفافه، أو لأغراض «سوسيو-أيديولوجيَّة» واقتصاديَّة. ومع هذا يُصِرُّ بعض أولئك حين تناقشه على القول: ليست وظيفة الأدب أيديولوجيَّة!
- في الوقت الذي يمارس هو أيديولوجيا مضادَّة للثقافة المجتمعيَّة.
- كما يردِّد: أنْ ليس (مُصلِحًا اجتماعيًّا).
- لكنه لا يناقش مشروعيَّة أن يكون في المقابل (مفسِدًا اجتماعيًّا)! وهكذا من هذه المغالطات البيزنطيَّة. لا يعني هذا أن يتحوَّل العمل الروائي مثلًا إلى توجيهٍ مباشر. أمَّا كيف يمكن الجمع بين الجماليَّة والمسؤوليَّة الأخلاقيَّة، فتلك هي لُعبة الأديب التي حارت البريَّة فيها منذ عُرِف الأدب، يُفلِح فيها العباقرة ويُخفِق الخائبون.
- ولقد يُنصَّب الخائب معيارًا لدَى أضرابه، فيقال: ها هو ذا فلان وفلان.. فلسنا بخيرٍ منهم!
- المجال الأدبي كأيِّ مجالٍ آخَر، له أدواته، وأصوله، وأخلاقيَّاته. مَن خرج عليها، فعليه أن يبحث عن نفسه في عالَم آخر. وممَّا يحوِّل الميدان الأدبي إلى ساحات مستباحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ، أن يأتي مَن لديه قدرة كتابيَّة من درجةٍ ما، وثقافةٍ متوسطة، وأفكارٍ متوتِّرةٍ حول أمرٍ من الأمور، مع هوسٍ بالنجوميَّة، فيخرج على الناس مستعرضًا عضلاته، التي يزعمها أدبيَّة، ثمَّ إذا انتُقِد قذفَ الآخَرين بالتخلُّف والتشدُّد؛ كي يُدافِع عن ذاته أوَّلًا، ثمَّ لكي يُدافِع عن سلعته المزيَّفة، بِنيةً ومضمونًا.
- بالأمس اختُطف الشِّعر العَرَبي إلى ضروب من الهَلْس(4)، تارةً باسم النثر وقصيدته الخُلاسيَّة، وتارةً باسم السَّرد والرواية. ثمَّ ها نحن هؤلاء اليوم نشهد اختطاف الرواية العَرَبيَّة نفسها باسم الرواية التجريبيَّة الفارغة، أو الفنتازيا والعجائبيَّة.
- بهذا تعود بنا تلك الرواية، ثقافيًّا، إلى عالم الخرافة، الذي ما زال معشِّشًا في الرؤوس، لا منذ الجاهليَّة فحسب، بل في بعض الفكر الإسلامي أيضًا، إن صحَّت تسميته «فكرًا».
- هل من مثال؟
- الأمثلة كثيرة ومعروفة. خذ ما يرد، على سبيل النموذج، في بعض كتب التراث المذهبي الباطني من كلامٍ حول مفهوم «المُسُوْخِيَّة» -على وزن (الملوخيَّة)- وهي ضربٌ من القول بتناسخ الأرواح. في استنساخ واضح لبعض تصوُّرات الهندوس حول التناسخ. وحدِّث ولا حرج عن مثل هذه الشطحات الخزعبليَّة في التُّراث العَرَبي والإسلامي. ليأتي ذلك التيَّار من الرواية المعاصرة ليعيدها جذعةً في عقلنا المبارك، الذي لا ينقصه العَتَه!
- القضيَّة هنا تتجاوز الإشكالات الفنيَّة، إلى الإشكالات الثقافيَّة والأيديولوجيَّة.
- نعم. أمَّا أن يرحِّب (الناقد الثقافي) بهذا النتاج، فخيانة ثقافيَّة أخرى، تضاف إلى خياناته الأدبيَّة السابقة في ميدان (النقد الأدبي).
- ليس هذا في ميدان الأدب فحسب، بل أنت تشهد اليوم أنَّ اللُّغة العَرَبيَّة نفسها تُختطف عبر الإعلام. ففي بعض القنوات الإعلاميَّة العَرَبيَّة الرسميَّة لم يَعُد المذيع يخجل من اللَّحن الفاحش، ولم يَعُد يحاسَب عليه، حتى في نشرات الأخبار. وقد بات الأمر، فيما يبدو، سياسةً ممنهجة؛ وإلَّا من أين جاء هؤلاء المذيعون الجُدد، بلا أصوات، ولا لُغة، ولا ثقافة، ولا مؤهِّلات تُذكَر، اللَّهم إلَّا تمتُّع جُلِّهم ببعض الصفاقة في التعامل مع ضيوف الحوارات؟! وما كان لهذا الانحدار أن يقع لولا مقصديَّة إفساديَّة لجوهر الثقافة العَرَبيَّة: اللُّغة العَرَبيَّة!
- وصادمٌ أن تقرأ، أيضًا، لبعض من يقدِّمون النصوص على أنها شِعر حديث، متربِّعين في معارض الكُتب لتوقيع إصداراتهم «الإبداعية»، التي يُسمُّونها دواوين شِعريَّة، ثمَّة يتحلَّق حولهم المريدون في ندوات جماهيريَّة، وتُدار معهم حوارات عبر الفضائيَّات. لتكتشف حين تقرأ لأحدهم -ويا لهول ما تكتشف- أنه يفتقر أصلًا إلى أبسط مقوِّمات الكتابة، بل هو في حاجة ماسَّة إلى تلك المهارات العَرَبيَّة للمبتدئين، بل لغير الناطقين بها.
- أو قل: إنْ كان قد تجاوز المراحل الدراسيَّة الدُّنيا، بطرائق لا يعلم كيفيَّاتها إلا الله سبحانه وتعالى، كان عليه أن يجتاز مقرر (101 عرب) في المهارات اللغويَّة في المرحلة الجامعيَّة، قبل أن يمتشق قلمه السيَّال ليتحفنا بقصائده العصماء!
- المهزلة الشِّعريَّة الآن قد تجاوزت، إذن، قضايا الموسيقى الشِّعريَّة، والتغريب الفني أو التشريق الجمالي، وأسئلة الموهبة الشِّعريَّة، والخيال، والصورة، ممَّا كان مثار جدال قبل سنين. تجاوزت الحالة اليوم (محمَّد الماغوط)، و(أدونيس)، و(أنسي الحاج)، وغيرهم ممَّن كانوا يكتبون لنا بلغةٍ عَرَبيَّةٍ سليمة، بل بعَرَبيَّة راقية، مهما اختلفتَ معهم في ما بعد اللُّغة في البناء والفنيَّات، إلى حالةٍ راهنةٍ؛ اللُّغة فيها معاقة أساسًا، والنصوص تفتقر إلى قواعد العَرَبيَّة الأوَّلية، قبل النظر في تصنيفها في أيِّ جنسٍ أدبيٍّ أو غير أدبي!
- السؤال الذي قد يتبادر هنا: لماذا لا يكتب هؤلاء بالعاميَّة، فيُريحون ويستريحون، ما داموا لا يُحسنون اللُّغة العَرَبيَّة؟!
- السبب واضح! لأنَّ الشِّعر بالعاميَّة ما زالت له أصوله الفنيَّة وقواعده الشِّعريِّة! ولو كتب أحدهم، لا قدر الله، قصيدة نثرٍ بالعاميَّة، على سبيل الاحتمال، لسحلته ساحات الشِّعر الشَّعبي، ولصار هنالك أضحوكة الثكالى!
- أين الجريمة في بعض ما يُتجرَّأ اليوم على تسميته شِعرًا ويُنشَر علينا بالعَرَبيَّة الفصيحة؟ أفي أدعياء الشِّعر؟ أم في ناشري ذاك الهراء؟ أم في الإعلام الركيك؟ أم في النقد الأدبي، الغائب أو المغيَّب؟ أم في ذلك كلِّه؟
- أمَّا أدعياء الشِّعر، فجهَلة، ولو كانوا يُدرِكون ما يكتبون، أو لو كانوا على الأقل يعقلون ما يفعلون، لما فضحوا أنفسهم في العالمَين، وإنْ على المدَى البعيد، وعبر التاريخ، ومهما طبَّل لهم «المطبِّلون»، على المدَى القريب، من أترابهم وأمثالهم، أو قل: من مستغلِّي غفلاتهم! وأمَّا الناشرون، من الأبواب الخلفية للنشر الثقافي، فمحض تُجَّار في النهاية، كما وصفهم (ماركيز)، لا يعنيهم سِوَى ما يدخل إلى جيوبهم وحساباتهم المصرفيَّة. وإنْ فضحوا أنفسهم، بدورهم، عبر التاريخ، بسجلٍّ من المنشورات الشوهاء، وإن ارتاشوا الآن بالدراهم والدنانير والجنيهات! وأمَّا الإعلام، فحدِّث ولا حرج! هو منشغل بالأضواء، أعشَى عمَّا تحت الأضواء من سوءات! وأمَّا النقد الأدبي، فمفقود مفقود مفقود، يا ولدي!
- أو ربما هو موجود موجود موجود، ولكن لتلميع تلك النتاجات الهجينة؛ تجارةً، على مذهب الناشرين المذكورين، ولاستنزال أضواء وهميَّة، على طريقة الإعلام المعاصر!
**__**__**__**__**__**
(1) لا ينفي هذا ما يُفترَض للإعلام نفسه من دَورٍ فِكري وتوعوي. لولا أنَّ الإعلام، ولاسيما في عالمنا العَرَبي، تطغَى عليه «مضادَّات حيويَّة» للفِكر والتوعية! حتى إنك لتلحظ أنه لا يُحِبُّ أن يغيِّر اقتناعات الجماهير، ولا مصادمة مسلَّماتهم، مهما كانت ضالَّة، هذا فضلًا عن رقابته الشديدة على ما قد يُقِضُّ مضاجع المؤسَّسات بأفكار الإصلاح والتغيير المشبوهة. ولذلك يقف دون ما قد يُبديه الكاتب من نقدٍ أو رأيٍ يشتمُّ فيه مخالفة المسلَّمات السائدة.
(2) الحيوان هنا بمعنى: الكائن الحي، عدا الإنسان. فمصطلح (الحيوان) في العَرَبيَّة قد يشمل الحياة عمومًا، كما ورد في «القرآن الكريم»، وكما سمَّى (الجاحظ) كتابه «الحيوان»، الذي يفهم العامَّة من عنوانه أنه عن الحيوانات، وهو في الحقيقة عن الحياة بعامَّة، جامعًا بين (علم الإناسة/ الأنثروبولوجيا) وما يمكن أن نسمِّيه (علم الحياة)، بل إنَّ هذا الأخير يشمل الأوَّل. في ريادة للجاحظ، ما نعلم أنه سُبِق إليها.
(3) يُنظَر: (د.ت)، كيف تكتب الرواية؟ ومقالات أخرى، ترجمة: صالح علماني، (دمشق: الأهالي للطباعة)، ص9.
(4) من معاني (الهَلْس) في العَرَبيَّة: مرض السُّلِّ، والهُزال والضُّمور بصفةٍ عامَّة. وتُحسِن العاميَّة باستخدام هذه المفردة في الإشارة إلى كلِّ كلام فارغ، هزيل، مسلول المعنى، لا ماء فيه.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)