د.عبدالإله آل سودا
شَـدَّني منشور في منصة إكس للدكتور أحمد العرفج، طرح فيه سؤالاً عن الفرق بين المقال الذي يُنشئه الذكاء الاصطناعي والمقال الذي يُنشئه الإنسان بنفسه، وقد أحسن في إيراد الفروق، مادحًا المقال الذي يكتبه الإنسان بنفسه، وذامًّا المقال الذي يحوكه الذكالي بخيوطٍ بلاستيكية باردة وبرّاقة في ذات الوقت!
ومنذ قرون، قال عالم الطبيعة الفرنسي بوفون عبارته الشهيرة: «الأسلوب هو الرجل نفسه»، وكان يقصد أن الكتابة إنما هي أثر مباشر للشخصية الإنسانية، وانعكاس لطريقته في التفكير، وليست مجرد ترتيب للألفاظ أو براعة في الصياغة. وها هو القرن الحادي والعشرون يضع هذه المقولة أمام اختبار غير مسبوق؛ إذ جميعُنا يقرأ نصوصًا محكمة الأسلوب، متماسكة البناء، لكنها مع ذلك لا تمت للإنسان بصلة، ولم يؤلّف كلماتِها أو يزاوج بين فقراتها أيُّ كائن بشري؛ هي نصوص يكتبها ما يمكن أن نسميه، على سبيل النحت اللغوي، «الذَّكالي»؛ أي الذكاء الاصطناعي.
وهنا يبرز سؤال جديد: هل ما زال الأسلوب مرآة للإنسان، أم أصبح ظاهرة لغوية يمكن للآلة أن تحاكيها؟
من المعروف أن الأسلوب الإنساني في الكتابة هو حصيلة حياة كاملة تتراكم طبقاتٍ في أطواء الكاتب؛ فهو أسلوب رهين لأتراح الإنسان وأفراحه، وذكرياته الأولى، وخيباته الصغيرة التي لا يعرفها أحد، وهو إلى ذلك خاضع لثقافة الإنسان، ومدى تأثره بما يقرأ في شبابه، وبالحوارات التي خاضها، والتجارب التي مرّ بها وهو يكتشف العالم.
فأسلوب الإنسان يَمتَح من خزائن وجودية خفية، كما أنه يحاكي ما في الإنسان من نقص؛ لذلك كثيراً ما نجد النص الإنساني (الـمُـبَـرَّأ من الذكالي) يحمل شيئاً من العيوب الجميلة: جملة زائدة، انعطافاً غير متوقع، أو استعارة غامضة، أو حتى خطأ مطبعي إصبعي. ومع ذلك يبقى النص حياً لأنه صادر عن كائن يعيش الزمن ويختبره. وقد لاحظ بعض النقاد هذه المفارقة فقالوا إن النص الإنساني يحمل نقصاً نابضاً بالحياة، بينما النص الآلي قد يحمل كمالاً بارداً.
وثمّة بُعد آخر في الكتابة الإنسانية يتجاوز حتى قصدية الكاتب نفسه؛ إنه ما يمكن تسميته باللاوعي النصي. فالإنسان أحياناً يكتب ما لا يقصده تماماً، وتفلت منه كلمات تحمل دلالات أعمق مما تصور، أو تظهر في نصه إشارات إلى تجارب لم يعشها مباشرة لكنها تسربت إليه عبر الثقافة التي تحيط به. هذه الهفوات الدالة، والانزلاقات اللغوية، والصور غير المتوقعة، تمثل بصمات العقل الباطن الذي يعمل تحت سطح الوعي. وأيضًا يُلمَح في النصوص البشرية شيءٌ من صراعٍ خفي بين ما يرادُ قوله قصدًا، وما يفلت قسراً.
أما الذكالي فهو خالٍ تقريباً من هذا البعد؛ فلا هفوات لديه إلا أخطاء إحصائية، ولا انزلاقات عدا خللٍ في الاحتمالات، ولا صور غير متوقعة خلال توليفاتٍ لم يسبق أن اجتمعت في بياناته. ولذلك يفتقر النص الذكالي إلى ذلك العمق الذي ينشأ من التوتر الخفي بين الوعي واللاوعي داخل الكاتب.
على الضفة الأخرى يظهر الذَّكالي بوصفه مهندساً بارعاً للغة، فهو قادر على إنتاج نصوص مدهشة في تماسكها وثرائها الأسلوبي، غير أن هذه القدرة تقوم على آلية مختلفة تماماً عن آلية الكتابة الإنسانية. فالذكالي لا يكتب انطلاقاً من تجربة شخصية، بل يعمل وفق بنية احتمالية خالصة؛ إذ يتنبأ بالكلمة التالية اعتماداً على الاحتمال الأعلى في بيانات التدريب التي تغذّى بها. فقد تعلَّمَ من مليارات الجمل التي كتبها البشر أن بعض التراكيب تتكرر بكثرة في النصوص التحليلية، فيعيد إنتاجها تلقائياً وبصفةٍ متكررة مع جميع الناس الذين يطلبون منه صياغة مقالة أو تقرير. فعندما يرى بنية مثل: «ليس كذا بل كذا»، أو «لا يعني كذا بل يعني كذا»، أو «ليس مجرد كذا بل كذا»، يدرك أن أداة الاستدراك «بل» هي الامتداد الأكثر احتمالاً بعد النفي. وهكذا تصبح هذه الصيغة من الأنماط الإحصائية المرتفعة الاحتمال، فيميل النظام إلى تكرارها دون وعي بما وراءها.
ويزداد هذا الميل لأن جزءاً كبيراً من النصوص التي يتعلم منها الذكالي يأتي من فضاءات الكتابة التحليلية، كـالمقالات الصحفية، والكتب الفكرية، والدراسات الأكاديمية، والمواد التعليمية.
وهذه الأنواع من الكتابة تعتمد كثيراً على البنية الجدلية التي تقوم على نفي فكرة واستبدالها بأخرى أدق؛ لذلك نجد فيها تراكيب متكررة مثل: «ليس الأمر كذا بل كذا»، أو «لا يقتصر الأمر على كذا بل يتجاوزه إلى كذا»، أو «لا يكمن السبب في كذا بل في كذا». ومع تراكم هذه الصيغ في البيانات يتعلم النموذج أن هذا النمط البلاغي يمثل طريقة طبيعية للشرح والتوضيح، فيعيد إنتاجه مراراً.
إلى جانب ذلك يُدرَّب الذكالي غالباً على إنتاج خطاب واضح ومنظم وغير حاد النبرة. فهو يميل إلى ما يمكن تسميته بالأسلوب الوسطي الرشيد؛ أي الأسلوب التحليلي المتوازن الذي يتجنب الحدة والانفعال. ولهذا يفضل بنية بلاغية شائعة في الخطاب التفسيري تقوم على نفي فكرة أولاً ثم استبدالها بفكرة أكثر دقة. فنقرأ في نصوصه عبارات مثل: «ليست المشكلة في التقنية بل في طريقة استخدامها»، أو «لا يتعلق الأمر بالكمية بل بالجودة». هذه الصيغة تمنح النص مظهراً منطقياً ومنظماً، ولذلك تتكرر كثيراً. وهذه القوالب تساعد على إنتاج نص متماسك بسرعة، لكنها قد تترك في النص أثراً إيقاعياً متكرراً يلحظه القارئ المدقق، ويكتشف بسهولة أنه من صُنع الذكالي لا الإنسان فتتغير نظرته إلى المقالة سَلبًا.
ولهذا بدأ الباحثون في السنوات الأخيرة بتطوير طرق لرصد النصوص الذكالية اعتماداً على بعض المؤشرات الأسلوبية، ومن أبرز هذه المؤشرات التكرار غير الطبيعي لبعض الصيغ، أو التوازن الزائد في الجمل، أو البنية الجدلية المتكررة التي تقوم على النفي ثم الاستدراك. وكثيراً ما يلاحظ المحررون الإفراط في استعمال «بل»، أو الصيغة «ليس فقط… بل أيضاً»، أو عبارات مثل «في الواقع» و«في جوهر الأمر». هذه العلامات لا تكشف النص الذكالي دائماً، لكنها تشير أحياناً إلى البنية الإحصائية التي تعمل خلف اللغة.
ومع ذلك، فإن الحدود بين العالمين ليست واضحة دائماً. فهناك منطقة تماس مربكة تتداخل فيها النصوص البشرية والذكالية إلى حد يصعب معه التفريق بينها. ففي بعض المجالات الوظيفية كالتقارير الإدارية مثلاً والبيانات الصحفية والمقالات العلمية الجافة، يمكن للنص الذكالي أن يبدو طبيعياً تماماً، بل قد يتفوق في التنظيم والدقة.
وفي المقابل هناك كتّاب بشر يكتبون بطريقة آلية متكررة، وكأنهم يقلدون أنفسهم في كل نص جديد. من هنا يظهر سؤال نقدي مهم: هل تحتاج المشاعر في النص إلى كاتب يشعر بها فعلاً، أم يكفي أن تظهر في صيغة مقنعة على الورق؟ يقودنا هذا السؤال إلى مفهوم «قصدية النص». فالنص الإنساني يحمل دائماً نية كامنة وراءه: رغبة في التعبير، أو محاولة للفهم، أو حاجة إلى البوح. أما النص الذكالي فيحمل قصدية مستعارة؛ إذ يعيد إنتاج نيات بشرية سابقة دون أن يمتلكها هو نفسه.
وعند هذه النقطة يبرز السؤال الفلسفي الأعمق: إذا كان الأسلوب، كما قال بوفون، هو الإنسان نفسه، فماذا يعني أن نقرأ أسلوباً محكماً بلا إنسان؟ هنا يمكن استدعاء أطروحة رولان بارت حول «موت المؤلف». فقد بدا النصُّ لبارت نسيجًا من الاستشهادات القادمة من ثقافات متعددة، لا قولاً صادراً من ذاتية الإنسان. والذكالي يبدو وكأنه التجسيد المادي الحرفي لهذه الفكرة؛ فالنص الذكالي بالفعل لا يقف خلفه مؤلف محدد، بل شبكة هائلة من النصوص السابقة التي أعيد تركيبها.
وهذه المفارقة تزداد عمقاً حين نلحَظُ أنّ الذكالي بات وسيطًا يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا في اللغة نفسها، ولم يَعد أداةً وسيطةً محايدة. ومع مرور الوقت قد تبدأ أنماطه الإحصائية في التأثير في أساليب البشر الذين يستخدمونه، فيصبح الكاتب البشري نفسه أكثر ميلاً إلى القوالب التي تنتجها الخوارزميات، وهنا ستتشابه الأنماط، وسيثور حينها الأدباءُ في وجه الذكالي، وربما يُشيّعون مقولة بوفون إلى مثواها الأخير!
وفي التراث العربي يمكن استحضار فكرة قريبة لدى الجاحظ حين رأى أن البيان يتمثّل في جمال اللفظ لا في جلال المعنى؛ فالمعاني مطروحة في الطريق. والذكالي يجيد صياغة اللفظ الجميل إلى حد ما، لكنه لا يعرف كيف يتوصل إلى المعاني المناسبة للفظ الجميل. بخلاف الإنسان حين يكتب اللفظَ الجميل للمعنى المناسب، وهو المعنى العميق الذي يَمس جوهر إنسانيته، وهو ما يفتقده الذكالي.
وهنا تظهر مفارقة لافتة في علاقتنا بالذكالي؛ فهو في النهاية ليس كائناً غريباً أتى من خارج الثقافة الإنسانية، بل هو نتاج خالص لبياناتنا نحن. فنصوصه في الحقيقة انعكاس مِرآوي للغة البشر؛ حيث تعيد إنتاج أنماطنا وتكراراتنا وتحيزاتنا. وحين نقرأ نصاً ذكالياً ونشعر بغرابته فإننا في الواقع نشعر بالغرابة من صورتنا نحن وقد تجردت من الروح. إنه يشبه المرآة التي تعيد إلينا ملامحنا ولكن من دون الحياة التي تختفي خلفها.
ومن زاوية معرفية أخرى يمكن فهم الذكالي بوصفه تجسيداً لظاهرة إحصائية تعرف بالارتداد إلى المتوسط. فالخوارزمية تميل بطبيعتها إلى اختيار الكلمات الأكثر احتمالاً في اللغة. ونتيجة لذلك تتضاءل الفرادة الأسلوبية، لأن الإبداع الإنساني كثيراً ما يقوم على اختيار الكلمة الأقل احتمالاً لكنها الأكثر تأثيراً. الذكالي يكتب المتوقع، أما الإنسان المبدع فيكتب المدهش.
ولهذا يشعر بعض القراء أحياناً بغرابة النص الذي يقرؤونه حين يُنسَب إلى إنسان ولكن يَبدو للقارئ أنه من صُنع الآلة؛ فالنص الذكالي قد يكون متقناً إلى درجة تثير قلقاً خفياً. وهذا الأمر شبيه بالروبوتات التي تحاكي البشر كثيراً لكنها تفتقر إلى لمسة الحياة؛ فالكمال في الأسلوب الكتابي هنا، يتحول من علامة جودة إلى علامة تهمة.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المعرفي أو الجمالي؛ فهناك أيضاً بعد أخلاقي للأسلوب الكتابي.
حين يكتب الإنسان، فإنه يتحمل تبعات ما يكتب، وكلماته تمثل موقفاً من العالم يمكن مساءلته عنه. أما الذكالي فلا يتحمل مسؤولية حقيقية؛ فقد ينتج نصاً متحيزاً لأن بياناته كانت متحيزة، أو يقدم رأيين متناقضين في فقرتين متتاليتين من غير أن يشعر بأي حرج. إن غياب المسؤولية يعني غياب الالتزام الأخلاقي بالكلمة، وهذا يثير سؤالاً مهماً حول مستقبل النصوص التي لا يملك أحد توقيعها.
كما أن الكتابة الإنسانية يمكن فهمها بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة: مقاومة للنسيان، أو للألم، أو للسلطة. فالكاتب البشري يكتب أحياناً ليقاوم صمت العالم أو قسوته. أما الذكالي فلا يقاوم شيئاً؛ إنه ممتثل دائماً لخوارزمياته. الأسلوب الإنساني يحمل توتراً داخلياً، بينما الأسلوب الذكالي يتميز بسيولة مفرطة.
ومع ذلك ربما لا يكون مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكالي صراعاً بقدر ما هو شكل جديد من التكامل. فالذكالي يمكن أن يصبح كاتب الظل المثالي؛ يساعد البشر على تجاوز صعوبات التعبير، ويقترح صياغات بديلة، ويصحح الأخطاء، ويمنح الكاتب أدوات إضافية لتطوير نصه، لكن الأدب العظيم كالرواية الجميلة، والقصيدة التي تمس القلب، والمقال الذي يهز الوجدان؛ سيظل بحاجة إلى تجربة إنسانية حقيقية، ذلك أنّ القارئ في المحصِّلَة لا يبحث عن كلمات جميلة فحسب، وإنما يبحث عن إنسان آخر خلف الكلمات؛ عن عقل يفكر، وقلب يشعر، ووجود يشاركه رحلته في هذا العالم.
وعود على بدء، إلى مقولة بوفون، لكن بصيغة معدلة قليلاً: كان الأسلوب هو الرجل نفسه، أما اليوم فقد صار الأسلوب ممكناً بلا رجل. وسيبقى السؤال مفتوحاً: هل نريد أسلوباً بلا إنسان؟ وهل سيأتي يوم يضطر فيه الكاتب البشري إلى تعمد الخطأ أو خلخلة القواعد ليبرهن للقارئ أنه ليس خوارزمية؟ وهل ستصبح الركاكة الصادقة معياراً جديداً للأصالة في عالم يفيض بالبلاغة الآلية؟ لعل التحدي الحقيقي لقراء المستقبل أن يصبحوا أكثر حساسية لالتقاط نبض الحياة في النصوص، وأن يظلوا يبحثون عن تلك البصمة الخفية التي لا تخطئها العين: بصمة إنسان يحاول أن يقول شيئاً عن وجوده قبل أن يقول شيئاً عن العالم.