سليم السوطاني
يعد عنصر المكان عاملًا ملهمًا للروائيين، الذين ينسجون حكاياتهم من خلال ما حدث في زمن ماضٍ، أو فكرة نبتت في ذهن الكاتب من خلال حدث نشأ في ذلك المكان.
ونظرًا لما يمثِّله هذا العامل الحيوي في الأدب، بشكل عام، فإن الروائي يحتاج إلى وعيٍ كاملٍ ببيئة المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية وتتحرك شخصياتها في فضائه.
أتتبع في هذه المقالة عنصر المكان في رواية «الفيومي» لطاهر الزهراني، إذ وجدت عنده وعيًا كاملًا ببيئة المكان وطبيعته، وتأثيره في أبطال الرواية -كعادته- إذ يبدع، عبر رواياته في تمثّلات المكان وبُعدها الظاهري والحسي وتأثيرها في شخصيات الرواية، وللمكان عنده تأثير حتى في طباع الشخصيات، وأحوالهم النفسية.
يجيد الزهراني وصف المكان، ويحوله، من خلال سرده البديع، إلى عنصر مهم وحيوي ينبض بالحياة.
ففي القرية، كما نجد في رواية «الفيومي»، لحظات الصباح تبدأ بأصوات كائنات معينة، وعندما يهبط المساء وتحل ساعات الليل، تُسمع أصوات أخرى لا تظهر إلا من خلال سكون الليل، الذي يتمطى بسكينة وهدوء في فضاءات القرية.
تتمحور أحداث رواية «الفيومي» حول الشخصية الرئيسة «عطية» الذي تنقَّل عبر ثلاثة أمكنة؛ من جدة، إلى جبل الدخان، عندما كان يعمل في القطاع العسكري، وشارك في حرب جبل الدخان، ثم العودة إلى «الديرة» الأصل الذي يعود إليه في تهامة الباحة.
وتدور غالبية أحداث الرواية في هذا المكان، حيث القرية البسيطة التي يعمر فضاءها السكون وأصوات الطبيعة والكائنات.
ويتضح ذلك جلياً من خلال السرد الواعي بطبيعة المكان، إذ يقول الراوي: «في الصباح تتثاءب الحياة في القرية، زقزقة «الصعوة»، ثغاء الماشية، رائحة حطب لصنع الخبز، وضوء شمس يتسلّق ظهور الجبال…». *(1)
هنا يكمن وعي السارد بطبيعة القرى؛ بأن الحياة فيها تبدأ مع الصباح الباكر، فتُسمع زقزقة الطيور، وثغاء الماشية كموسيقا تتناغم مع بداية الساعات الأولى لصباح القرى.
وأضاف إلى الأجواء الصباحية «رائحة الحطب» الذي يوقد من أجل صنع الخبز، لتناول وجبة الإفطار، ثم الانطلاق للرعي، أو للقنص... فكلٌ يذهب في شأنه.
من الهوايات المحببة لأبناء القرى «القنص والصيد»، التي يتعلّمون منها المكابدة والصبر والسعي الدؤوب لنيل رزقهم، فنراه يقول، في موضع آخر من الرواية: «أخذ بندقيته البرنو الخفيفة، ودربيله، وذهب إلى الجبل، كان الوقت مبكرًا، القنص إنجاز عظيم في حياة القروي، تكريس لمفهوم الرزق، والرضا بالقسمة، والشعور بالاكتفاء...».*(2)
في موضع آخر تحضر فلسفة عميقة، إذ يقارن بين طبيعتين لمكانين مختلفين، طبيعة القرية والمدينة، من خلال الانتظار والحالة النفسية للشخصية، التي تكون عليها عندما تواجه الانتظار في الجبل، أو في المدينة: «والانتظار في الجبل ليس كالانتظار في المدن، في المدينة يتسرَّب المللُ كسُمٍّ يفتك بمنابع الابتهاج، ويتراكم على مفاصل الحياة، فتكون الرغبة في الانحشار في زوايا الأسمنت. في الجبل الأمر يختلف تمامًا، ينظر الإنسان إلى تفاصيل الحياة الضخمة، والصغيرة. في الجبل ترغب في الصمت، فتزعجك القرود بصياحها، تترقب الصيد، وتشاهد العقاب يترصد معك، تتعلَّم من الحيوانات والطيور التعايش، والتضامن... كل الكائنات في الجبل، تكتفي بقوتها اليومي، ثم تدع الحياة تسير، كل في فلكه، ووفق اختياراته».*(3)
انظر إلى الموازنة بين البيئتين، وتأثيرها النفسي العميق في شخصية البطل، من خلال الانتظار في المدينة، والقرية.
ونواصل، من خلال الاقتباسات من الرواية، إذ نلحظ السرد الرائع يظهر جليًا في كيفية توظيف انغماس الفرد في طبيعة المكان مهما كانت قاسية؛ فإن جسمه وأعصابه تتواءم مع المكان، إذ يقول في وصف بطل الرواية: «أعصاب قدميه تتواءم مع أحجار المكان، وتضاريس الأرض». *(4)
ويصل الروائي إلى نقطة عمق كبيرة من الإدراك السردي بطبيعة المكان وتأثيره في الشخصيات التي تعيش في ذاك المكان، يقول: «الجنوبي يتعامل مع أرضه كإنسان يعطيها اسمًا، يتعاهد «العُرق»، و«الخُلج»، والطينة، وإذا آذاها السيل، يعتذر إليها، ويعِدها بالخير وقت الحصاد». *(5)
فقد أجاد في بث ديمومة الحياة في المزارع، وخلق بينها وبين الإنسان نبضًا يسري فيهما، وكل منهما يصغي ويستجيب للآخر.
حاولت في هذه القراءة النقدية أن أسلّط الضوء على جماليات بعض السرد الروائي عند طاهر الزهراني، من خلال رواية «الفيومي»، وأركز على عنصر «المكان».
وقد اخترت بعض الاقتباسات والإضاءات التي تخدم سياق المراجعة، إلا أن الرواية تحوي أكثر من ذلك، ولكن المقالة لا تتسع له.
وأزعم -بحسب وجهة نظري- أن الروايات يجب أن تُقرأ أكثر من مرة قراءة فاحصة، كي يُكتشف جمال السرد، وكيفية بناء الرواية، من خلال عناصرها الفنية، فلكل كاتب طريقته وأسلوبه في عمله الروائي.
**__**__**__**__**__**
* (1)، (2)، (3)، (4)، (5): اقتباسات من رواية «الفيومي»، طاهر الزهراني، منشورات ضفاف - منشورات الاختلاف، الطبعة الأولى 1438هـ - 2017م.