د. شاهر النهاري
لم تعد القراءة بالفعل كما كانت.
ولم يعد القارئ كما كان.
ولم يعد الزمن ذات الزمن.
ولم يعد الخيال بنفس أبعاده!
ونحن حينما نسأل: كيف يقرأ الجيل الجديد كتابات الجيل الماضي؟
فنحن في الحقيقة لا نسأل عن مهارة لغوية أو ذائقة أدبية فحسب، بل نسأل عن مجالات تفكير، وتحوّل كامل في الإيقاع الذهني، وفي علاقة الإنسان بالمعنى، وفي الطريقة التي تُستهلك بها الفكرة، لتختمر وتكتمل.
الجيل السابق، أو الأجيال السابقة، نشأت في زمن تأمل طويل، وإطلاق للخيال بضبابية، دون محددات أو محفزات، بزمن كان يسمح ببطء أريحية القراءة، وبطء التخيّل، وبطء في تراكمية المعنى للخلوص لنتائج لا تكون مدعمة بمساعدات العصر الحديث والتكنولوجيا.
كانت الرواية تُقرأ في عدة أيام، وريشة مؤشر وسط صفحاتها، تحفظ نقاط الاستراحة، وكان القارئ يعود صفحات إلى الخلف ليعيد تثبيت الفكرة التي مر عليها دون تركيز، ولتأكيد الربط بين حدث وآخر، أو ليستعيد التلذذ بجملة شعرية أو موقف عظيم يقوم بشحن عواطفه ولهفته بالتجدد.
كانت القراءة رحلة، تحتاج زوادة ومزود.
أما الجيل الحالي، والجيل القادم من بعده، فهو جيل يعيش في زمن بريق شاشات السرعة، وفي زمن التشظي المعرفي.
وسائل التواصل الاجتماعي، الألعاب الإلكترونية، المقاطع القصيرة، التغريدات، العناوين السريعة… قدرة تزوير المعلومة وأتمتتها، وقدرة التحقق من إنسانيتها، أمور صنعت عقلًا يقفز بين الأفكار بدل أن يسير معها، ويجمح بدل أن يتمهل ويتتبع، وينتقي الترابط السطحي بدل أن يغوص للعمق، فالآلة هي من يناوله اللقم بكل تنافرها، وهو فاغر فمه!
هذا الجيل لا يقرأ كثيرًا بالمعنى الكلاسيكي التقليدي، ولا يرتاح للسرد الطويل، ولا لمسكنات التهبيط.
جيل لا يميل إلى تفسير الكلمات المعقّدة في غير مكانها، ولا ينجذب إلى الأفكار التي تتطلب صبرًا ذهنيًا واستمرارية عاطفية.
هو جيل مزاجي انتقائي، سريع الرغبة والملل.
يعشق التغريدة المختصرة، والتي تخلق التحدي، والمضحكة بالذات، وتلك الفكرة المكثّفة، والجملة التي تفتح له بابًا ثم تتركه ليكمل الطريق على ظهور خيول الذكاء الاصطناعي.
جيل بالغالب لا يريد الأوراق الكثيرة، ولا الفصول الطويلة، ولا البناء السردي الممتد.
يريد أقل ما يمكن… كبسولة معبأة بطريقته الخاصة.
وقد يرى البعض من الأقدمين أن في ذلك نقصًا.
وقد يصفه آخرون بالسطحية أو ضعف العمق.
لكن هذا الحكم، في كثير من الأحيان، يعد متعجلا، متحاملا، لأنه يقيس ثقل وحجم وطول ومعاني جيلًا جديدًا بأدوات صنعها الجيل الأقدم.
الحقيقة أن هذا الجيل لا يكره المعنى، لكنه يكره الإكراه على ثبات المعنى.
لا يرفض العمق، لكنه يرفض الطريق الطويل إليه، وتحويله لروبوت غوص واستخلاص.
بعض هذا الجيل متعمّق فعلًا، لكنه يبحث عن العمق في شكل وأبعاد مختلفة، في فيديو قصير، في بودكاست، في جملة ذكية، في لعبة تحمل فكرة وتختصر المسافات، أو في نص مفتوح الأبواب لا يفرض عليه تفسيرًا واحدًا.
وبعضه الآخر سحابات صيف لا تتحمل المطر، فيبقى عند العناوين العريضة، ويمرّ سريعًا على السياسة، والاجتماع، والأدب، والفكر، وربما الروحانيات، دون أن يتوغّل كثيرًا.
وهذا أيضًا ليس جديدًا في تاريخ البشر؛ الجديد فقط هو الحبل الصالح لتسلق الجبال، وتتبع غرائب صواريخ الكواكب وتقنياتها.
التكنولوجيا لم تخلق سلوك هذا الجيل من العدم، بل إنها وفّرت له البيئة، التي وجد نفسه داخلها منذ ألعاب الأبيض والأسود.
وهو لم يختر هذه السرعة، لكنه تعلّم كيف يلتقط شواردها ويتكيّف مع انفجاراتها.
وحين نطالبه أن يكتب مِثلنا، أو يقرأ مِثلنا، أو يفكّر مِثلنا، فنحن في الحقيقة نطالبه بالخروج من حياته، وعيش حياة أشبه بعصور الظلام.
لهذا، حين نتحاور مع هذا الجيل، يجب ألا نحكم عليه بالخفة والسرعة والسخافة، وعلينا أن نتعلم كيف نتحاور معه بلغته، أو بلغة وسيطة بين البعدين.
بمفاهيمه، لا بمفاهيم العصور المطوية.
ليس بوصفنا حراس التراث، بل جسورًا منه وإليه.
الجيل الجديد قد لا يجيد الإملاء كما نريده، ولا القواعد والتشكيل كما تعلّمناها، ولا تفسير الكلمات كما حفظناها، لكنه يجيد أشياء أخرى نفتقدها:
الربط السريع،
التقاط الفكرة،
إعادة إنتاج المعنى،
وخلق مسارات جديدة للفهم.
من هنا، تصبح المسؤولية ليست في إجباره على قراءة ما كنّا نحب، بل في إعادة تقديم المعرفة بالطريقة التي يفهمها ويعشقها، وهذا منوط بمطاطية مناهجنا، وقدرتها على التحرك للأمام!
المعلومة صيد ثمين، نعم، لكن أماكن الصيد تغيّرت، واتسعت، والسمك لم يعد محصورا في مجرى النهر القديم وحده، بل في كل فضاء ووسط تحلّق فيه زعانف، وأعين وأجنحة أجيال قادمة تنبض فيه قلوبها بما لم نعرف.
الأجيال تتغيّر، الهوايات تتبدّل، القدرات تعاد صياغتها، ولا يمكن إيقاف هذا التحوّل، ولا الحكم عليه بعاطفة الحنين والتحسر وكبرياء غرور الجيل القديم.
ومن خلال عمليات إرشاد لمن يسأل ويستطيب، يمكننا تعريف الجيل الجديد بخصائص ما هو ناضج في لحظات محاولة تقارب لهم لا بعدا عنهم، نعرض لهم الأغنية الطويلة بالتقسيط، نقدّم رواية ذكية منظورة بسيطة من زمن مضى، نفتح لهم نافذة متخشبة ليتخيلوا ملاعب وأكواخ الماضي…
لكن لا يحق لنا أن نُسكنهم فيها.
فالحياة لا تعود إلى الخلف، والزمن يرحل غاضبا، ودون أن يعتذر للأجيال السابقة، وما حدث من قفزات هائلة في الفهم والتكنولوجيا والثقافة الجديدة المختلطة، ومسارات التواصل يعد تحولا جذريا لا يمكن قياسه بمقاييس الأمس، وأحكامه، وأمثاله، ومقولاته كثيرة الازدراء.
ليس المطلوب أن نتنازل عن أهداف المعرفة والعمق، بل إن نغيّر طريق الوصول إليها.
وليس المطلوب أن نخسر اللغة، بل ان نعيد إحياءها وتوظيفها في أشكال وأغراض جديدة.
هكذا فقط يمكن أن تلتقي الأجيال الجديدة بكتابات الجيل الماضي، ليس على شعور بالتسخيف، ولا كعبء ثقيل، بل مصدر إلهام، والتقاء، لا كواجب، بل اختيار.
وهكذا فقط تستمر قوافل الثقافة… واقع وفضاء وأبعاد تخيلية، ليس بوصفها ذاكرة جامدة، بل كائن حي يتغيّر ويستزيد ليبقى بخصائص القدرة على التجدد والاستمرارية، في المناهج الدراسية قبل مواقع التواصل.