خالد محمد الدوس
يظل اسم العلامة عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406م) منارة شامخة في سماء الفكر الإنساني، فهو المفكر الموسوعي الذي استطاع قبل أكثر من ستة قرون أن يؤسس لرؤية ثورية في فهم التاريخ والمجتمع، واضعاً اللبنات الأولى لعلم الاجتماع الحديث، ومؤصلاً للعلاقة الجدلية بين التاريخ وعلم الاجتماع بشكل يكشف عن عبقرية فذة تستحق التأمل والدراسة.
لقد تجلت عبقرية (ابن خلدون).. في لحظة فارقة من تاريخ الفكر، حينما استشعر القصور المنهجي الذي اعترى الكتابات التاريخية السائدة في عصره، والتي كانت تكتفي بالسرد القصصي والأخباري دون تمحيص أو تعليل. لقد أدرك (ابن خلدون) أن التاريخ بهذا المعنى يظل مجرد «خبر عن الأيام» لا يتجاوز سطح الأحداث. ومن هنا كانت قفزته العبقرية بتأسيس «علم العمران البشري» الذي يجعل من التاريخ موضوعاً للدراسة العلمية، ومن المجتمع حقلاً للتحليل والفهم.
لقد أقام (ابن خلدون) في مقدمته الشهيرة صرحاً معرفياً متيناً يقوم على فكرة محورية هي أن الظواهر الاجتماعية تخضع لسنن وقوانين يمكن اكتشافها ودراستها. وهذا المفهوم نفسه هو أساس علم الاجتماع الحديث. فالمجتمع عنده كائن حي يخضع لنموذج نشوئي وتطوري، له قوانينه الداخلية التي تحكم تحولاته من البداوة إلى الحضر، ومن القوة إلى الضعف. هذه النظرة التطورية للمجتمع سبقت بها نظريات علماء الاجتماع الغربيين الأوائل مثل كونت وسبنسر ودوركايم بقرون طويلة..!!
وتكمن عبقرية (ابن خلدون) في تأصيل العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع في أنه جعل من الثاني منهجاً للأول وأداة لتمحيصه. فالتاريخ عنده لا يمكن فهمه فهماً صحيحاً دون الرجوع إلى القوانين الاجتماعية التي تحكم تطور الجماعات البشرية. ومن هنا وضع نظريته المشهورة في «العصبية» كقوة دافعة للتغيير التاريخي، مؤكداً أن فهم صعود وسقوط المجتمعات البشرية.. يربط ارتباطاً وثيقاً بدراسة طبيعة العلاقات الاجتماعية وتماسك الجماعات.
لقد استطاع (ابن خلدون) أن يؤسس لمنهجية نقدية في تحليل الأخبار التاريخية تقوم على معيارين أساسيين: معيار العقل (القياس على طبيعة العمران البشري) ومعيار الواقع (مطابقة الخبر للقوانين الاجتماعية الثابتة). وهذا المنهج النقدي هو نفسه الذي يقوم عليه علم الاجتماع التاريخي المعاصر. فحينما نقرأ قوله المشهور: «والتمييز بين الحق والباطل في الأخبار، يكون بالنظر في إمكانها واستحالتها» نجد أنفسنا أمام منهج علمي رصين يقوم على تعليل الظواهر وفهم أسبابها.
وإذا كان علماء الاجتماع المعاصرون يركزون على أهمية دراسة «السياق الاجتماعي» لفهم الظواهر التاريخية، فإن الفكر الخلدوني.. قد سبقهم إلى ذلك حينما جعل من مفهوم «الأحوال» و»طبائع العمران» الإطار المرجعي لفهم الأحداث. فالحادث التاريخي لا يمكن فهمه بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أحاطت به. وهذا بالضبط ما تقوم عليه المنهجية السوسيولوجية الحديثة في دراسة التاريخ.
لقد أنشأ (ابن خلدون) بذلك جسراً معرفياً متيناً بين التاريخ وعلم الاجتماع، جاعلاً منهما علمين متكاملين لا ينفصلان. فالتاريخ يمّد (علم الاجتماع) بالمادة الخام للأحداث والتجارب الإنسانية، وعلم الاجتماع يمد (التاريخ) بأدوات التحليل والفهم. وقد عبر عن هذه الرؤية بقوله: «فالتاريخ في ظاهره لا يزيد عن أخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها».
إن عبقرية (ابن خلدون) لا تكمن فقط في تأسيسه لهذه العلاقة المنهجية بين التاريخ وعلم الاجتماع، بل أيضاً في قدرته على تطبيقها عملياً في تحليلاته لعدد من الظواهر الاجتماعية والتاريخية. فعندما حلّل عوامل قيام الدولة وعوامل انهيارها، ربط ذلك بتحولات البنية الاجتماعية والاقتصادية. وعندما درس الفروق بين المجتمعات البدوية والحضرية، ربطها باختلاف أنماط الإنتاج وطرائق العيش. وعندما فسر ظاهرة التعصب والعصبية، ربطها بضرورات البقاء والتنافس على الموارد.
واليوم، ونحن في القرن الحادي والعشرين، نجد أن رؤية (ابن خلدون).. لا تزال حاضرة بقوة في المناقشات الأكاديمية حول منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية. فالجدل الدائر حول العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، وبين المنهج التفسيري والمنهج التفهمي، يجد في فكر ابن خلدون أرضية صلبة للحوار والتأسيس. وكثير من المفكرين المعاصرين يعيدون قراءة ابن خلدون ليس بوصفه مجرد مفكر تاريخي، بل كمؤسس حقيقي لنظرية اجتماعية شاملة تصلح لأن تكون إطاراً مرجعياً لدراسة التحولات الكبرى في عالمنا المعاصر.
لقد استطاع هذا المفكر الفذ أن يضع أسساً منهجية متكاملة لدراسة التاريخ والمجتمع، تجمع بين النظرية والتطبيق، بين العقلانية والتجريبية، بين التحليل البنيوي والتفسير الوظيفي. وفي هذا الإطار يمكن القول إن ابن خلدون لم يكن مجرد رائد من رواد علم الاجتماع، بل كان مؤسساً لرؤية معرفية متكاملة تصلح لأن تكون أساساً لتجديد الفكر الاجتماعي والتاريخي في عالمنا العربي والإسلامي.
وبشكل عام.. تظل عبقرية (ابن خلدون) في تأصيل العلاقة بين التاريخ وعلم الاجتماع درساً خالداً في ضرورة تجاوز الحدود المصطنعة بين حقول المعرفة، وبناء جسور منهجية بين التخصصات العلمية المختلفة. فالتاريخ بلا علم اجتماع يبقى مجرد سرد بلا تعليل، وعلم اجتماع بلا تاريخ يبقى بناء نظرياً بلا أساس متين. وهذا الدرس الخلدوني يظل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في زمن التخصصات المتشعبة والحاجة الماسة إلى رؤية كلية شاملة للظاهرة الإنسانية في تعقيدها وتشابكها.