عبدالله العولقي
على الرّغم منْ حياةِ بدر شاكر السياب القصيرة إلّا أنّه حظِي بحضورٍ طاغٍ في الدّراساتِ الأدبيّة والنقديّة ندرَ أنْ حظِي به شاعرٌ مثله في العصر الحديث، لقدْ عاشَ السيّابُ حياته القصيرة مُمدّداً في المستشفيات بعدما أرهقه المرضُ وأوجعه الألمُ النفسي، فحتّى ندرسُ تجربة السيّاب الشعريّة علينا أنْ نهتمّ بكل تفاصيل حياته التي انعكست بجلاء على أدبه وشعره، فهنا يظهر تأثير التاريخ والجغرافيا على تجربة الشاعر، فقدْ عاشَ الشاعرُ طفولته في قريته الصغيرة (جيكور) جنوب البصرة في بيئةٍ ريفيّة ساحرة، بين جغرافيا تثيرُ الخيالَ أنْ يُبدع رغماً عنه!، أمّا التاريخ فيستدعيه الشاعرُ في تجربته عندما كان يلعبُ بمياه نهره الصغير (بويب) الذي صنع منه أسطورة تاريخيّة ورمزيّة وظفها داخل قصائده وأعماله ببراعة المبدع الفنان..
لقد كُتِبَ لهذا الشاعرُ العظيم أنْ يعيشَ حياته معذباً وجائعاً وفقيراً تلتهمُ جسدَه الأمراضُ الفتاكة، فعاشَ حياةً صاخبة بالعذابِ منذ طفولته، لقد ارتبطت هذه المعاناة بكائنِ الأنثى في جميع أبعادها الإنسانية، حيث ابتدأت هذه المأساة بوفاة أمه وهو في السادسة من عمره، فانتقل إلى كنف جدته التي وجد في أحضانها معاني العطف والحنان، فكانت تروي له الكثير من الحكايات الأسطوريّة التي أبدع في تجسيدها شعراً داخل ديوانه، ولعلّ رائعته (أنشودة المطر) قدْ تميّزت بقدرته الفذّة على استدعاء الأساطير القديمة، ففي هذه الرائعة يُوظفُ الشاعرُ الرمزَ منْ خلال ثنائيّاتٍ جميلة: الحياة والموت، الجفاف والخصوبة، النور والظلام، الحزن والفرح، كما يبرزُ صوتُ الشاعرِ بصورة استدعاء آلهة الخصبِ والنماء في الحضارات القديمة توسّلاً شركيّاً لعودة الرخاء للعراق بعد أنْ تشتت الوطنُ وضاعَ في غياهب تلك الحقبة الصعبة التي غادر فيها السياب بلاده إلى متاهات الغربة!!، ففي هذه الرائعة يُكثّفُ السيّابُ من صورة الرمز (الأنثى) الذي يتنقل بها من رمز الطبيعة إلى الأمِّ إلى الخليج إلى الوطن في صورٍ بديعة:
عَيناكِ غابتا نخيلٍ ساعة السّحر
أو شرفتان راحَ ينأى عنْهما القَمَرْ
عيناكِ حينَ تبْسمانِ تُورِقُ الكُرُوم
وترقصُ الأضواءُ كالأقمارِ في نَهَرْ
وبعد وفاة جدّته عادتْ صورةُ الأمِّ الأولى إلى ذاكرته (اللاوعي) ولمْ تفارقها حتّى آخرَ يومٍ في حياته، لقدْ كانَ يجدُها في وجْهِ كلّ فتاةٍ يقابلُها فيهيمُ بها عشقاً منْ أوّلِ نظرة!!، فكانَ يدخلُ في حالةٍ نفسيةٍ تشبه الغيبوبة حيثُ يفقد وعيه وإحساسه في تلك اللحظة!، فهلْ كانَ السيّابُ دائم البحثِ عمّنْ يعوّضه الحبّ والحنان الذي فقده في طفولته الأولى؟، ربّما يكونُ الأمر كذلك، وربّما يكونُ للأمر علاقة بشطحةٍ من شطحاتِ العقل عند المبدعين، أوْ ما يُسمّيه بعضُ النقاد جنون الإبداع!..
لقد ارتبط السيّابُ بسلسلةٍ طويلة من العلاقاتِ الغراميّة التي لا أوّل ولا آخرَ لها، ففي كلِّ مرّةٍ منْ هذه الحكايا الغريبة كان السيابُ ينسجُ في خياله قصةَ حبٍّ منْ طرفٍ واحد، وعندما يصْطدمُ المرهفُ الحسّاسُ بالحقيقة يُصابُ بالألمِ النفسي، هذا الوجعُ الذي أرهقه في كثيرٍ منْ مراحلِ عمره!، ففي صباه وحينَ كانَ يرعى الغنم في قريته (جيكور) أحبَّ الراعية (هالة)، فهي أوّلُ فتاةٍ ينبضُ قلبُه بحبّها، لقدْ مثّلتْ له البذرة الأولى لشجرةِ الحبِّ التي نبتت في قلبِ السيّاب وسمقت وتعالت حتّى ظللت على جسدهِ النحيل، فكانَ يذكرُها كثيراً في مسامراته وأحاديثه لأنّ صورتها لمْ تفارق خياله أبداَ!.
وعندما انتقلَ إلى البصرة وتحوّل من ضيق الريف إلى فساحة المدينة بدأت قصة السّياب المتهوّرة مع حكايات الحبِّ وعلاقاته الأحاديّة المتسلسلة مع محبوباته!، والتي انتهت معظمها إلى نتيجة الخيبة التي طالما جرحت كبرياء الشاعر الرقيق!.
يقولُ الناقد العراقي ناجي علوش: لمْ يظفرْ منهنّ جميعاً إلّا بالمخاتلة والإشفاق والكلام المعسول!، ففي البصرة بدأ قلبه ينبض بحكاية جديدة بطلتها فتاةً تدعى (وفيقة)، وقدْ نظم فيها قصيدته الشهيرة (شباّك وفيقة)، يقولُ الكاتبُ شوقي بزيع: وقد احتلّت وفيقة مكانة استثنائيّة في قلب السياب، فقدْ حوّل شباك منزلها المجاور لمنزله في البصرة إلى شبّاكٍ كونيٍّ لتبادل النظرات بين عشاق الأرض بأسرها!، لكنّ هذه الحكاية انتهت مبكّراً عندما مرضت وفيقة مرضاً عصيباً قضى عليها سريعاً، فتأثر الشاعرُ الفنانُ وأُصيب بالكمدِ في قلبه، لقدْ ظلّت أطيافُها الزفافيّة المتجوّلة في حدائقِ الموتِ تطاردُ الشاعرَ في حلّه وترحاله حتّى كتب فيها عذب أشعاره:
لوفيقة
في ظلامِ العالمِ السفليِّ حقلٌ
فيْهِ ممّا يزرعُ الموتى حديقة
يلتقي في جوّها صبحٌ وليلٌ
وخيَالٌ وحقيقة
لقدْ حاولَ السّيابُ أنْ ينسى وفيقة بقصةِ عشقٍ جديدة، فأحبّ ابنة (الجلبي) التي كانَ يلمح جمالها وهو مارٌ بزقاق يؤدّي إلى بيته ، فكان يتغزل بها ويهيمُ بحبّها!!، لكنّ ابنة (الجلبي) كانتْ مشغولةً عنه، ولعلّها لمْ تكنْ تعرفه على الإطلاق!، فهي سليلة أحد أعرق البيوت الباشويّة في البصرة، ولكنّها كانت ملهمته في كثيرٍ منْ شعره، فقد كتبَ فيها أجمل الأشعار والقصائد، وقد تركتْ هذه السيّدة في روحه صدىً عميقاً من الأسى والحزن عندما تزوّجت أحدَ الأثرياءِ المُوسرين وتركَت السياب وحده يندب حظه في ذكرى مؤلمة!.
وفي دار المعلّمين العالية في بغداد وقع فؤادُه في هوى فتاةٍ بغداديّةٍ كانت تدرسُ معه في دار المعلمين العالية، كان اسمُها (لباب) وقد أخذت حظاً وفيراً من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال باهر وذكاء متوقد لدرجة أنّ أهلها كانوا يوصونها أنْ تعبسَ في وجوهِ النّاس والمارّة حتّى لا يطمعَ أحدٌ بملاحقتِها ومشاكستِها!!، وكانَ حظُّ السّياب أنّه منْ جملة منْ كانت تعبسُ في وجوههم عندَ رؤيتهم، ولا ندري أهو الحظّ الذي عاند الشاعر في حبّه وقلبه أمْ أنّ جنونَه كانَ تفسيراً لهذا الحبّ الذي لا يعرفُ إلا طرفاً واحداً فيه!.
وبعد (لباب) أحب الشاعرُ أديبة شاعرة مثقفة مثله وهي (لميعة عباس عمارة) وكانت بداية هذه العلاقة ذات طابعٍ سياسي ولكنّه -كعادته الجنونيّة- وقع في حبّها لأنّها كانت منْ أخلص الناس له، فكتب فيها مجموعة من القصائد لعلّ القصيدة الأشهر:
ذكرتكِ يا لميعة والدُّجى ليلٌ وأمطارُ
ذكرتُ الطلعة السّمراء
ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرَقٍ ومنْ بَرَدِ
تنزُّ به صحاري للفراقِ تسوطُها الأنواءُ
ثمّ يتعرف السّيابُ على الكاتبةِ البلجيكيّة (لوك لوران) فيهيمُ بها حبّاً وعشقاً ويكتبُ فيها قصيدة تعدُّ منْ أروع قصائده الغزليّة، ثمّ يشاءُ له القدرُ أنْ يلتقي بمومسٍ عمياء اسمها (سليمة) تكشفُ له عالماً جديداً من السّوء والظلام، فيتعرّفُ منْ خلال هذه الشمطاء على عالم الليل والبغاء ويكتشفُ أسراراً غريبة صوّرها في قصيدته الشهيرة (المومسُ العمياء)، لقدْ أتاحت (دار المعلمين العليا) للسيّاب أنْ يتعرف على زميلاته الطالبات ويهيمُ بهنّ واحدةً تلو الأخرى ، وبعدَ أنْ تخرّجَ من الكليّة تعرف على فتاةٍ يهوديّةٍ تُدْعى (مادلين) فهام بها ولعاً وغراماً، وبعد أنْ رأى أنّها لا تبادله الحبّ بدتْ آثارُ المرضِ والأعياء تزيدُ عليه، وعندها سافر إلى بيروت للعلاج، وكانت الممرضة الجميلة (ليلى) ترأفُ لحالته المتدهورة وتعطفُ على هذا المريض فتوهّم هذه الرأفة حبّاً وذلك العطف هياماً فشرع يكتبُ لها تباريح حبّه لها وهو على سرير المرض!!، فيقول فيها:
أبْصرْتُ ليلى فلبنانَ الشّموخِ علَى
عينيكِ يضحكُ أزهارٌ لأضواءِ
ليلى هواي الذي راحَ الزمانُ به
و كادَ يقلتُ منْ كفّيَّ بالدّاءِ
حنانُها كحنانِ الأمِّ دثّرني
فأذْهَبَ الداءَ عنْ قلبِي و أعْضائِي
وهكذا عاشَ السيّابُ حياته وهو يعاني من مرضٍ عاطفيٍّ اسمه الحبّ منْ أوّل نظرة، وفي إحدى قصائده الوجدانيّة شكا السيّابُ من مفارقةٍ اجتماعيّة عجيبة حينما عقد مقارنة بين اهتمام النساءِ بدواوينه وقصائده دون الاهتمام بشخصه!!، وبين تلهّفه إلى امرأةٍ تبادله الحبّ الحقيقي الذي طالما حلم به!، فيقول:
ياليْتني أصبحتُ ديواني لأفرَّ منْ صدْرٍ إلى ثانِ
قدْ بتُّ منْ حسَدٍ أقولُ له: يا ليتَ منْ تهواكَ تهواني
ألكَ الكؤوس وليْ ثمالتها!، ولكَ الخلودُ وإنني فانِ
وبعدَ هذه السلسلة الطويلة منْ حكايا العشق والغرام تدهورت الحالة الصحيّة للسيّاب وبدتْ عليه آثارُ المرضِ في سنٍّ مبكرة، ولمْ يذقْ طعم الحبّ الحقيقي إلّا عندما تزوّج منْ إحدى قريباته وهي السيّدة (إقبال)، هذه المرأة التي تحمّلت كلّ جنونيّاته وصبرتْ على غرائبِ تصرّفاته، فقدْ أعادتْ إقبالُ لزوجها الشاعرِ العليلِ اعتباره إلى نفسه بعدَ أنْ وجدَ فيها المرأة الصادقة التي تحبّه حقيقة لا مجاملة وتتعلّقُ فيه ولا تهجره!، ففي هذه العلاقة الزوجيّة عادت الثقة ونقطة الإتزان العاطفي إلى عقلِ السياب ووجدانه فكانت (إقبال) بمثابة حبل النجاة الأخير في حياة الشاعر!، فيقولُ عنْها: لولا زوجتي إقبال ومزاجها الفوّار لمْ تهدأ أعصابي أبداً!، لقدْ أنجبَ منها (غيداء وغيلان وآلاء) ولمّا أصابه المرضُ كانت مثالاً للمرأة الصابرة الواقفة بجوار زوجها، وقدْ قالَ فيها قصائد كثيرة وحمل اسمها (إقبال) أحد دواوينه، وكانت هي المرأة الوحيدة التي أحبّته حقيقةً من أعماق قلبها، فكانت هي الحبّ الحقيقي الذي عاشه السيابُ في حياته!!، فيقول فيها:
أحببتُ فيكِ عراق روحي أو أحببتك أنتِ فيهِ
لو جئتِ في البلدِ الغريبِ إليّ ما كَمُلَ اللقاءُ
الملتقى بكِ والعراقُ على يديّ هو اللقاء