حامد أحمد الشريف
لو لم يكن هناك فرق شاسع بين كاتب السرد المبدع والكاتب المجتهد الذي لا يملك مهارة الحكي الإبداعي؛ لما تصدى كثير من الكتاب والنقاد الكبار للحديث عن مواصفات دقيقة جدًا في الكتابة الإبداعية، وتركوا لنا إرثًا خالدًا يأخذ بأيدينا لمعرفة الفرق. فذاك «أنطون تشيخوف» يقول لنا: «لا تخبرني أن القمر ساطع، وإنما أرني انعكاس الضوء على الزجاج المكسور.» ويقول أيضًا: «الكاتب الحقيقي لا يقول للقارئ: هذا حزين. بل يجعله يشعر بالحزن.» وللروائي الفرنسي الكبير «غوستاف فلوبير» مقولة شهيرة تصب في هذا الاتجاه، وترسم لنا الطريق الذي يوصلنا للتفريق بين الغث والسمين في كتابتنا وقراءتنا للنصوص، وهو يوضح لنا ببساطة شديدة متى نُقتر ومتى نُكثر، وكيف نكون بين ذلك قواما في عبارته الشهيرة التي يقول فيها: «الفن ليس أن تقول كل شيء، بل أن تقول الشيء المناسب في مكانه المناسب.»
رولان بارت أيضًا له مقولة جميلة تأتي في ذات السياق يقول فيها: «الكتابة ليست نقل الواقع، بل إعادة خلقه لغويًا.» وهذا يعني ببساطة شديدة أن الكاتب المبدع يعيد تشكيل العالم الذي يراه من حوله، لا ينسخه. وتعنى أيضًا أن الكاتب المبدع لا ينقل الواقع الذي يراه كما يراه الآخرون وإنما يخضعه لأدواته السردية الإبداعية ويخرج لنا منه قالبًا مختلفًا يحمل بصمته الشخصية ورؤيته له، مما يؤكد أن الكاتب الحقيقي في أصله فيلسوف ومفكر، له رؤيته الشخصية وأفكاره التي يسقطها على الواقع المنقول تخييليًا، وبالتالي فهو لا يمارس دور الحكواتي الذي تقتصر وظيفته على سرد الحكايات والأخبار المتناقلة من دون أدنى علاقة له بها.
ولعلنا نختم بالكاتب الأمريكي الكبير «أرنست همنغواي» الذي أجتهد للتقعيد لهذا الفن السردي وهو يضع ما بات يعرف بنظرية جبل الجليد ومفادها أن النصوص الجيدة تشبه جبل الجليد الذي لا يرى منه على سطح الماء غير 10% من حجمه الحقيقي فـ 90 % منه تحتويه مياه المحيط، هذه الحقيقة يعرفها جيدًا كتاب وقراء السرد المبدعون الذين يعون جيدًا عظم هذا الجبل الجليدي ويحتذون به.
نظريته الإبداعية تلك تقودنا إلى عبارته الشهيرة التي لا تقل قيمة عنها بل تتكامل معها، وتضع لنا الأساس الذي نختبر من خلاله كتاباتنا عندما بينا لنا الفرق بين الإقلال الإبداعي (الاختزال والتكثيف) والفقر الكتابي (الطلسمة والسطحية) وهو يرشدنا للفرق بين القيمتين، الفقيرة فكريًا وفلسفيًا والعدمية معرفيًا، وبين تلك العبارات التي على قلتها إلا أنها مكثفة وغارقة في الدسم بما تحويه من فلسفات وأفكار ومعارف تجعلها تثقل بالذهب.. يقول أرنست في تلك العبارة التي نستشهد بها: «إذا حذف الكاتب أشياءً وهو يعرفها جيدًا، فإن القارئ سيشعر بها كما لو كانت موجودة» انتهى كلامه. وهذا يعني ببساطة شديدة أن أعماق النص التي يتعمد الكاتب المبدع عدم الحديث الصريح عنها سيصل إليها القارئ المبدع، وسيعيد تشكيلها في ذهنه كما أرادها الكاتب وأكثر. وهي المعادلة الرياضية التي يمكن من خلالها التفريق بين النصوص رديئها وحسنها، وبواسطتها أيضًا نستطيع تمييز النصوص العميقة جدًا وتلك السطحية.
ذلك كله يقودنا إلى ما ترسخ في أذهان المبدعين أمثال الروائي الكبير نجيب محفوظ الذي يعي ذلك جيدًا ويذكره في حواراته، فقد نقل عنه ما معناه أن الموهبة وإن كانت أساسًا، فإنه لا قيمة لها بلا وعي فني وانضباط. ما يعني أن المبدع ليس مجرد إحساس، بل إحساس مُصاغ بحرفية.
وأنا أقف عند هذه الرؤية الإبداعية التي لم يبخل بها المبدعون واجتهدوا في نقلها إلينا، وجدت أنه من الممكن ببساطة شديدة عقد مقارنة بين كاتب السرد المبدع وذلك المجتهد بلا موهبة أو مهارة حقيقية. أو على الأقل ذكر الصفات التي ينبغي أن يكون عليها مبدع السرد الذي يستحق القراءة والحديث عن نتاجه، في ظل وجود من لا يعي هذا الفرق أو أنه يستسهل العملية السردية ويخلط بينها وبين الحكاية.
وحتى لا نسهب أكثر من ذلك ونقع في ما ننصح بالإقلاع عنه، سأحاول إيجاز الحديث عن مواصفات كاتب السرد المبدع الذي يمكن اختبار جودة قلمه من عدة اتجاهات، فإذا ما وقفنا على الرؤية التي يرتكز عليها في نصوصه، سنجد أنه يرى ما وراء الحدث، لا الحدث نفسه وينقله للقارئ بالطريقة التي ذكرها لنا همنجواي، وسنجد أنه يمتلك حسًّا داخليًا بالتوتر الدرامي ويمد القارئ به بذات الطريقة، وأنه يرى العالم قصصًا ترتبط بالمعاني لا وقائع جوفاء فقط، ويوقف القارئ على كل ذلك باحترافية. والخلاصة أن المبدع يخلق المعنى ويضمخ به الحكاية، والمجتهد يدوّن الوقائع فقط.
وإذا ما نظرنا لكاتب السرد المبدع من حيث اللغة فسنجد أن لغته حيّة ومشحونة بالإيحاءات ومملوءة بالدسم الوجداني والفكري والفلسفي، وسنقف أيضًا على اقتصادها في الكلمات والجمل وتكثيفها في المعاني والأفكار المضمرة داخل النص، وهي بالتالي لا تختلق الزخرفة اللفظية لتعويض غياب العمق والضحك على القارئ غير الجيد بالمظهر البراق الذي لا يحوي أي قيمة حقيقية، في وقت نجد الكاتب الممسك جيدًا بلغته الأدبية المتقنة؛ يتوسط في الجمال ويحسن توظيفه، ويأتي بالصور الشاعرية في مكانها فنشعر بها أكثر بكثير من رؤيتها أو تخيلها، فالجمال والإتقان عند المبدعين إحساس متبادل وليس هدايا عينية مبتذلة، أو تشبيهات جاهزة ومستهلكة يحاكي بها غيره.
أما من حيث بناء كاتب السرد المبدع لشخصياته فكما هو معلوم أنه عادة ما يجنح للتعقيد والتنوع والابتعاد عن البساطة، فلا يأتي بها على نسق واحد، وإنما يحاول إظهار التناقضات الإنسانية والتراكب السلوكي والوجداني التي عادة ما تكون عليه النفس البشرية. والأهم من ذلك أنها تمضي على ذات السياق التكثيفي المضمر، في كونها تُظهر الرسائل التي تريد إيصالها في سلوكها وحواراتها ولا تشرح مغازيها العميقة بل تترك للقارئ الوقوف على كل ذلك وإعادة كتابة النص في ذهنه.
كاتب السرد المبدع أيضًا له ما يميزه من حيث التأثير في القارئ فهو يترك أثرًا نفسيًا وفكريًا في قارئه، ويجعله يرى نفسه والعالم من خلال النصوص التي يقرأها أو لنقل إنه يدفعه لتحديد موقعه من الإعراب في ظل الأفكار والفلسفات التي يستقيها من النصوص، أي أنه يخلق تجربة تدعو للتأمل لا مجرد حكاية تنتهي بنهاية سماعها.
وأخيرًا لابد أن نعلم بأن كاتب السرد المبدع لا يهمل بناءه السردي حتى وإن أتى على كل هذه المتطلبات كونه يعلم أنها وحدها لا تكفي، وأنه بحاجة لبناء قوى متماسك يرتكز على قواعد أساسية تحميه من الانهيار وتديم حضوره في عقل ووجدان القارئ وذلك يعني اهتمامه بالدخول للنص والخروج منه، وعدم إغفال أهمية التفاصيل الصغيرة، بل الاشتغال كثيرًا عليها وإيلائها أهمية قصوى، والاهتمام أيضًا بتشويق وإثارة النص واتخاذ ما يلزم من أساليب وتقنيات لتحقيقه.
وكذلك اللعب على ذكاء النص بخلق الفجوات الإبداعية التي تستثير وظائف العقل وتدفعها للاشتغال في قراءته، وتزيد من تعلق القارئ بالنص وحسن تلقيه له.
وبعد، فأنا لا أنكر أنني استفضت في الحديث كثيرًا عن مواصفات الكتابة الإبداعية وابتعدت عن العمل الذي نحن بصدد الحديث عنه وهي المجموعة القصصية «21 شارع حسن حسني» لذلك دعونا ندع كل ذلك جانبًا وننتقل في حديثنا إلى هذه المجموعة التي لا يشير عنوانها للقيمة الإبداعية التي أتحدث عنها وهو ما جعلني أتوجس خيفة عندما تصديت لقراءتها والحديث عنها في إحدى الندوات الأخيرة التي أقامها صالون صلاح الدين المميز في مدينة القاهرة.
فالعنوان- كما هو معلوم- عتبة مهمة من عتبات قراءة النص وينبغي للكاتب المبدع أن يوليه جل اهتمامه فقد يُنفر القارئ أو يجلبه. وكتابته على هذا النحو الصريح كعنوان مكان قد لا يحقق ما يريده الكاتب، وليس كل قارئ قادرا على التفكير في ترتيب الأرقام والبحث في دلالتها طالما أنها أتت في سياق لا يدعو لذلك، وكما هو معلوم فإن دلالات الأرقام السيميائية ينظر إليها فقط إن كانت غير مبررة، أي لم تأتِ في سياق عملية حسابية أو تحديد موقع، وهذا ما يجعلنا لا نكابر في القول إن العنوان لم يخلق التشويق والإثارة التي تبحث عنها النصوص الإبداعية، وجعلنا نعتقد أننا أمام حكايات ترتبط بهذا المكان المحدد فقط. وحتى نكون منصفين قد يحمل هذا التحديد المكاني بعدًا تشويقيًا لا يمكن إغفاله، فليست كل الأماكن قادرة على منحك عددًا من الحكايات الملهمة، وبالتالي فإن هذا الشارع تحديدًا يمثل أحد الشوارع المعروفة القريبة من حي الحسين ويأتي قريبًا من الحارات المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي وهي المنطقة المليئة بالحكايات والروايات التي لم ينضب معينها رغم كل ما كتب عنها من قبل نجيب محفوظ، والغيطاني، وكتاب السرد المصريين العظماء، وهذا يعني أن العنوان يحتمل الوجهين فلا ينكر على من عظمه اعتمادًا على عمقه الدلالي والوجداني، ولا يجابه من قلل منه ركونًا إلى مفرداته الصريحة.
والصحيح أن يتم تجاوزه لمتن العمل فمثل هذه الحالات تدفع المنصف للاستمرار وتأجيل الحكم لآخر الجلسة.
تقع المجموعة في 87 صفحة من القطع المتوسط ومنشورة عن طريق دار سنيورز للنشر والتوزيع بقلم الكاتبة المبدعة زينب عبد الرحيم وتتكون من 16 قصة متفاوتة الطول تنتهج الواقعية الكلاسيكية الخطية في معظمها، .ويتناوب الراوي العليم والراوي المتكلم في سردها. وتعددت تقنيات كتابتها، وحجم قصصها، واتصالها وانفصالها.
كُتب بعضها كقصة قصيرة منفصلة عن سياقها المكاني والزماني ويمكن قراءتها بمعزل حتى عن العنوان، بينما كانت هناك متوالية قصصية ترتبط بالمكان الموصوف في عنوان العمل بل إن هناك قصتين تعدان متواليتين تستكمل إحداهما الأخرى وأعني بذلك قصة (21 شارع حسن حسني) وقصة (شفيقة) التي أظهر فيهما الكاتب براعته في عرض الفكرة نفسها بطريقتين مختلفتين، كما هو الحال مع قصة «لن تعود» ص58 المشابهة لقصة «يوم الخميس المميز» ص29 في أغلب أجزائها، في وقت كتبت القصتان بطريقتين مختلفتين، وكأن الكاتب أراد إخبارنا بطريقة عملية أن تشابه الحكاية أو الفكرة الأساس ليس شرطًا أن ينتج لنا قصصًا متطابقة، فالبحث عن الحبيبة المفقودة حضر في كلنا الحالتين، لكنه في القصة الأولى «يوم الخميس المميز» لم يذهب باتجاه الأسباب وإنما ناقش المشهد الأخير، بينما في القصة الأخرى «لن تعود» ذهب باتجاه الأسباب وطرحها كاملة وجعلها تأخذنا إلى النهاية المرتقبة، فرغم تشابه النهايتين، إلا أن القصص مختلفة ويظهر هنا قيمة القاص الحقيقي الممسك بأدواته والقادر على التفريق بين القصة القصيرة الإبداعية والحكاية.
جانب آخر مهم يتعلق بكامل المجموعة هو تطبيقها لنظرية «جبل الجليد» لهمنجواي في معظم قصصها حيث مستويات القراءة المتعددة ويظهر منها في المستوى الأول، الحكاية الأساس أو الفكرة الطافية فوق السطح بينما بقية الحكاية مغمورة داخل النص، وللدلالة على ذلك سنقف قليلًا أمام المعاني العميقة التي حملتها بعض القصص مثل قصة عبَّارة السلام «حيث «نورة» صاحبة المصاب هي من تعيش الألم الحقيقي بينما بقية أبناء الحي على اختلاف أعمارهم ومشاربهم الثقافية وقربهم أو بعدهم من الحدث وصاحبه كانوا يتناولون المصيبة بطريقة سطحية أو شكلية وهذا أحد المغازي العميقة التي تريد الحكاية إيصاله لنا».
وفي قصة (بعجر) أتت الفكرة الأساس التي بنيت عليها القصة لتخبرنا بأن التعلق والاهتمام بالأمور الشكلية والتطلع بعيدًا عن الواقع لا ينهي الإشكاليات التي نعاني منها وقد يفهم من عمقها الدلالي أننا غالبًا ما نبني أحلامًا كبيرة لا نشتغل عليها في واقعنا فتأتي النتائج النهائية لتوقفنا على هذه الحقيقة التي كان علينا إدراكها مبكرًا.
قصة فرحة والكلبة التي دهستها سيارة والسؤال أو القلق الذي يصيب من يطالعها عندما يقرأها وهو يتساءل بينه وبين نفسه: هل النظرات كافية لبناء صداقة حقيقية؟! وهل يمكن للحيوان أن يكون بديلًا للإنسان عندما ينطوي على نفسه ويصعب عليه الارتباط ببني جنسه؟! وهذه القصة بالمناسبة تعد مثالًا تطبيقيًا لنظرية التشويق التي وضعها السينمائي الكبير الفريد هيتْش كوك وقال فيها «لا يوجد تشويق في الانفجار بل في انتظار الانفجار» وتحولت إلى معادلة رياضية نصها: «التشويق= المعرفة المسبقة + التأجيل.» وهذا يعني أن القصة قامت بالتأطير لاستنتاج معين ودفعنا نحوه مع تأجيل اكتشافه والتورية حتى وصولنا إلى النهاية المنشودة وقد تملكنا الفضول لمعرفة من هي فرحة التي أفرحت وأحزنت من يقرأ حكايتها، لتكون الخاتمة بطرح سؤال مهم حول مواصفات الكائن الذي يحمل لنا الفرح، والشاهد هنا أننا وقد انتهينا من قراءة هذه القصة نشعر بصدق أننا أمام قصة أخرى جميلة مترعة بفنيات كتابة القصة الإبداعية تتعدد مستويات قراءتها.
وفي (طاولة الحب) ص83 التي تعد قصة قصيرة جدًا حيث لم تتعدَّ مساحتها نصف صفحة تقريبًا، وقفنا على صراع إبداعي مختلف يحيلنا إلى عمق ثري يدعو للتفكر في الانزياح الفلسفي للحكاية وقدرتها على سحب القارئ معها للغوص في عمق النص ومحاولة استخراج الدرر الكامنة في أعماقه، وهي توقفنا على منافسة رياضية من نوع مختلف تجمع بين حبيبين، لتطرح سؤالًا غاية في الأهمية حول ماهية هذا التنافس، وقيمة الانتصار، وهل هناك جدية في السعي نحوه؟! وهل سيفرح أحدهما لانتصاره أم يحزن لخسارة من يحب؟! وكأنها في نهاية الأمر تريد إيقافنا على حقيقة أن الحياة لا تعاش بذات الطريقة فبعض صراعاتها لا معنى له، وكيف أن بعض المعاني تفقد قيمتها عندما يلتقي الحبيبان.
وبعيدًا عن المغازي العميقة التي حُملت بها غالبية قصص المجموعة، فإن القصص أيضًا لم تخلُ من أسلوبية وبنائية قصصية غاية في الجمال وتحقق من خلالها كثير من اشتراطات القصة الإبداعية التي تجعلنا ننظر إليها كمثال يحتذى، وسأكتفي هنا بالحديث عن واحدة من هذه القصص، على أن ما سأقوله غالبًا ما ينسحب على معظم القصص، فـ «عبَّارة السلام» كفيلة ببيان قيمة هذه المجموعة التي لم أحبذ الحديث عنها ككتاب أول للكاتبة، فطالما أن الكتاب تجاوز هنات البداية علينا التعاطي معه بالطريقة التي يستحقها، ومحاسبته بالمنهجية التي تتفق مع قيمته الكتابية لا تراتبيته، وهو للحق يعد تجربة مميزة تتجاوز البدايات المعهودة، وهو كذلك ينم عن احترافية في تحويل الحكايات اليومية إلى قصص كلاسيكية واقعية إبداعية وأخذها بعيدًا عن أدب السير الذي يُظن خطأ انتماؤها إليه بالنظر للمكان وقربه من الكاتب وهو إسقاط غير مقبول، فجل الكتاب المبدعين يكتبون عن بيئاتهم وحواريهم وعن الأشخاص المقربين منهم فلا يقال عن إبداعاتهم إنها سيرهم الذاتية أو الغيرية، طالما استطاع الكاتب نقل الحكايات السطحية الواقعية القريبة منه إلى قصص إبداعية كما أخبرنا رولان بارت في مقولته الشهيرة: « الكتابة ليست نقل الواقع، بل إعادة خلقه لغويًا» انتهى كلامه. وكل ذلك يمكن قراءته في الحدث الموصوف الذي اعتمدت عليه قصة «عبَّارة السلام» وأعني بذلك كارثة غرق العبارة المصرية «السلام 98» عام 2006م المشهورة عالميًا والاتكاء عليها وروايتها من خلال «نورة» زوجة أحد الغارقين التي استخدمت كنقطة تبئير محورية.
نجحت الكاتبة في توظيف الحدث لإيصال رسالتها العميقة وهي تظهر لنا انعكاس الحدث على عدد من شخصيات الحارة، واقتصدت في ذلك حتى لا ترهق القارئ عندما اختزلتهم في شخصيتين محوريتين عدا الزوجة «نورة» وهما «الحاج سالم» القابع الدائم في المقهى، واستخدمته كشخصية مركبة مهمة تثري السرد وتوظف لبثِّ بعض السيمائيات الدلالية المهمة، وهي بذلك قد أعادت بالفعل خلق الواقع لغويًا، وكان النص ذكيًا في إحضار هذه الشخصية المتأملة التي تتناسب مع جلوسه المتكرر في المقهى الشعبي والتفرغ للمراقبة والتفكير والتحليل واستخلاص العبر، فيمكن بذلك تمرير فلسفات الكاتب وتوظيف الرجل لإثراء النص وإخراجه من طور الحكاية السطحية دون محاسبة نقدية، وهو ما تحقق بالفعل من خلال بعض الأفكار الجميلة التي أتت على لسانه كقوله ص11: ((مش المركب الي غرقت.. دا أحنا الي بنغرق)). انتهى كلامه. وقوله أيضًا ص13: ((المصيبة مش في الي ماتوا... المصيبة في اللي عايشين ولسه مستنين الخبر.)) انتهى كلامه.
بينما أتى الآخر ليشكل عاملًا موضوعيًا مختلفًا تمامًا وأعني بذلك «عبد الرؤوف البقال» وهو الشخصية المركبة الأخرى التي احتاجها النص لإظهار مفارقاته وتهيئته للوصول إلى النهاية المرتقبة، إذ إنه من جانب يحمل هم الحارة بسبب تركيبته الاجتماعية مع شيء من الطرافة التي يمثلها هؤلاء الباعة، ونرى ذلك في عبارته الطريفة التي واسى من خلالها الزوجة المكلومة بطريقة فيها شيء من السذاجة رغم صدقها وهو يقول ص11: «متخافيش يانورة... ده فرج عويم» انتهى كلامه.
وفي ص12 ومع ذات الشخصية الوظيفية المهمة أتت عبارة وصفية من الكاتب ذات دلالات سيميائية عميقة، وعدت تجسيدًا حقيقيًا لمقولة أرنست همنغواي المتعلقة بالاختزال والتكثيف، والعبارة التي نعنيها تقول: «رافقهما عبدالرؤوف قال وهو يحشو جيوبه بعلب السجائر» فالكاتب هنا حذف عددًا من العبارات وأبقى لنا العبارة الدالة عليها لنفهم يقينًا أنه أراد أن يخبرنا بأن البقال رغم وقفته الصادقة مع جارته المنكوبة إلا أنه لم يفوت فرصة ممارسة المهنة التي يعشقها، وقرر استغلال الموقف في بيع السجائر على المتجمهرين في الميناء، ويمكن لأحدنا أخذ العبارة من زاوية أخرى فيقول إن وقفة أهل الحارة ليست حقيقية إنما شكلية بدليل اهتمام البقال باصطحاب السجائر لبيعها أو حتى مهاداتها، المهم أنهم لم يكونوا معنيين بالمصاب بقدر اهتمامهم بالممارسات الشكلية. والشاهد هنا أننا أمام عبارات محذوفة بهدف اختزال النص وتكثيفه لكنها مقروءة من القارئ الحصيف وهذه قيمة إضافية حملها النص وتكررت كثيرًا في معظم القصص.
هذه القصة «عبَّارة السلام» وبقية القصص تناولت الأحداث الموصوفة بطريقة مختلفة تظهر قدرات الكاتب الإبداعية إذا ما نظرنا إليها أسلوبيًا وبحثنا عن اللغة التي لن نبالغ في وصفنا لها بأنها باذخة حية مشحونة بالمشاعر وليس أدل على ذلك من الاستهلال الذي نطالعه ص10 في قولها: «لم يكن الفجر قد أكتمل حين انطلقت صرخة نورة، شقت جدار الليل وارتطمت بحارة مندور القريبة، سقطت فأحدثت ضجة معلنةً عن غياب جديد. تهرول، تلطم وجهها بكفيها، وعيناها جمرتان من دموع. إنزاح الإيشارب المتدلي على رأسها قليلًا، كاشفًا عن خصلة شعر التصقت بجبينها المشبع بالعرق، صارخة لا تخاطب أحدًا، تلقي بصوتها في وجه السماء» انتهى كلامها.
وقولها ص11: «ضحك أحد الواقفين ضحكة قصيرة، لكنها سقطت في الفراغ ولم تجد من يلتقطها. الحزن كان أثقل من أن يُبدد» انتهى كلامها.
وقولها ص13: «حين عادوا إلى شارع حسن حسني، الليل كان قد تمدد فوق الأسطح، لكنه لم يسكن القلوب» انتهى كلامها.
وقولها أيضًا ص13: «كأن الحكاية كلما رويت خفت فأصبح حملها ممكنًا» انتهى كلامه. وللحق فإن اللغة بصفة عامة كانت مختزلة ومكثفة وأتت الزخارف اللفظية والصور الشاعرية بالقدر الكافي وفي سياقات مبررة ترتبط بالحدث وتستخدم لإيصال مستهدفاته الفهمية.
وبالعودة لبنائية القصة نجد أن الكاتبة لم تهمل البداية والنهاية الإبداعية للقصة القصيرة، وأهميتها الكبيرة في تقديرنا لقيمتها السردية، فكانت البداية كما هو مأمول مع حدث أو فعل يقودنا لكل الحكاية الكبيرة، وأعني بذلك «صرخة نورة» التي أخذت بأيدينا لتوصلنا إلى النهاية المرتقبة ولحظة الانفجار المطلوبة التي شكلت دهشة إبداعية جميلة عادة ما تختتم بها القصص القصيرة، نقرأها في العبارة التأويلية ص14 التي قالت فيها نورة: ((الذين يذهبون مع البحر.. لن يعودوا!)) انتهى كلامها.
التوتر الدرامي في بنائية القصة عد علامة فارقة أيضًا يشير بكل جلاء إلى أن الكاتب استطاع بالفعل نقل الحكاية الواقعية المسطحة إلى حالة سردية إبداعية، ويمكننا تتبع ذلك من خلال بعض الوقفات الدرامية كقولها ص10: «انطلقت صرخة نورة شقت جدار الليل وارتطمت بحارة مندورة القريبة» وقولها ص10: «تلطم وجهها بكفيها وعيناها جمرتان من دموع» وقولها ص10: «بدأت أبواب البيوت ببطء تتفتح، رؤوس تطل من النوافذ، واجساد تخرج إلى الشارع، بعضها يفرك عينيه الناعستين، وبعضها يتوقف في منتصف الطريق». وقولها ص11: «وكان قد توقف عند باب دكانه، ينظر إلى نورة المنهارة، يختبر عمق الفاجعة، حرَّك شفتيه الجافتين، ثم قال بصوت خرج هزيلًا بين المزاح والمواساة: متخافيش يا نورة ذا فرج عويم!» ومع أن هذا الاستشهاد الأخير يعد مثالًا يحتذى به للتوتر الدرامي المنسوج بعناية فائقة إلا أنه لم يخلُ من سلبية كأي جهد بشري، ونرصد من خلاله عدم الانسجام مع ما قاله تشيخوف ونصح به كتاب القصة القصيرة في نقل الإحساس وليس وصفه، وهذا يجعلنا ننكر على الكاتبة إيرادها للعبارة الخبرية المفسرة «يختبر عمق الفاجعة» وكذلك الوصف الخبري لصوت البقال الهزيل: «بين المزاح والمواساة» وما يدمي القلب أن السياق في هذه الحالة أوصل الرسالة كاملة بالتوتر الدرامي الذي نرصده بعدها تمامًا في قوله ص11: «ضحك أحد الواقفين ضحكة قصيرة». ما يعنى استغناء النص عن وصف الصوت تمامًا.
وبالعودة للتوتر الدرامي الذي يعد ركيزة أساسية في البناء السردي للقصة القصيرة نقف على حالة مثالية في ص12 في قولها: «نهض متكئًا على عصاه، وقال بصوته العجوز المرهق: مش حنسيبها تروح لوحدها» انتهى كلامه.
وأيضًا نرصد هنا وصفًا خبريًا كان عبئًا على النص ولزم التخلص منه فعبارة «بصوته العجوز المرهق» زائدة إذ إن عبارة «نهض متكئًا على عصاه» تشير إلى النهوض بصعوبة وبالتالي فهي كافية لإيصال المعنى المراد تطبيقًا لنظرية جبل الجليد لهمنجواي.
ولعلي أختم في هذا السياق الدرامي بعبارة رصدتها ص13 تقول فيها: «وقفت نورة بعينين معلقتين بالأفق، ويدين فارغتين كحجرين أملسين. لم تجد فرج.. ولا حتى بقاياه. فقط وجدت البحر.. الخ» انتهى كلامها.
- وختامًا فإن ما قلناه عن قصة «عبَّارة السلام» ينسحب تقريبًا على مجمل قصص المجموعة التي لم تخلُ من الإبداع الكتابي وإن تفاوتت درجاتها وقوتها وضعفها، لكن الأكيد أن هذه المجموعة المميزة تعد في نظري إحدى الوسائل للتفريق بين أصحاب مهارة القص الإبداعي، والمجتهدين على قدر طاقتهم. والأكيد أن هناك فرقًا جوهريًا بين السطحية والرصانة الإبداعية في الكتابة السردية.