إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
تحت سماءٍ لا تغيب عنها شمس العزة، ترفرف راية المملكة العربية السعودية؛ خضراء كقلب الأرض، بيضاء كطهر المقصد، لا تُنكس أبداً لأنها تستمد ثباتها من عقيدة راسخة وتاريخٍ صاغه الأبطال بمداد من نور وتضحياتٍ لا تعرف الأفول.
ولأن هذا العلم هو رمز السيادة الأوحد وعنوان الوحدة الجامع، جاء الأمر الملكي الكريم في عام 2023م بإقرار يوم الحادي عشر من مارس من كل عام يوماً خاصاً بالعلم السعودي، وهو اليوم التاريخي الذي أقر فيه الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- العلم بشكله الذي نراه اليوم في عام 1355هـ الموافق 1937م. إن هذا الإقرار، الذي استند إلى نظام العلم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 3) وتاريخ 1393هـ، لم يكن مجرد تحديد لمناسبة وطنية عابرة، بل هو ترسيخٌ حيّ لقيمة هذه الراية التي تحمل شهادة التوحيد وسيف العدل، بوصفها مصدراً للفخر وعزاً لكل من استظل بفيئها، وشاهداً حياً على عمق الدولة السعودية التي تمتد جذورها لثلاثة قرون من المجد والسيادة.
ومن هذا الشموخ التاريخي، تبزغ مكانة المملكة اليوم؛ مهد الرسالة ومنبع العروبة، التي انطلقت في مسيرة بناءٍ وتطوير لم تهدأ، محولةً الصحراء إلى مناراتٍ للنهضة، والحدود إلى آفاقٍ من الطموح تحت قيادة حكيمة آمنت بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية. لقد شهدت المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- تحولاتٍ كبرى أعادت صياغة المشهد الوطني وفق رؤية 2030 الطموحة.
هذه الرؤية التي لم تكتفِ بتطوير المرتكزات الاقتصادية والسياسية والعسكرية فحسب، بل وضعت «الثقافة» في قلب التحول الوطني، باعتبارها القوة الناعمة التي تعكس وجه السعودية الحضاري للعالم، والجسر الذي يربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل، ليصبح المبدع السعودي اليوم شريكاً في صناعة الحلم وصياغة الهوية الوطنية أمام المحافل الدولية.
وفي هذا الحراك الحضاري، يبرز الفنان التشكيلي السعودي كصاحب رسالة سامية وسفيرٍ ثقافي يحمل لغة العالم الشاملة؛ اللغة البصرية التي تخترق الحواجز اللغوية وتصل إلى القلوب دون حاجةٍ لمترجم. فالفنان لا يرسم مجرد أشكال، بل ينقل روح وطنه من خلال الضوء واللون، وهو ما يتجلى بوضوح في احتفاء التشكيليين بيوم العلم عبر روائع فنية خلّدتها الريشة.
فحين نتأمل لوحة الفنان ضياء عزيز ضياء، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ يفيض بنبل الوفاء، حيث يجسد لحظة انحناء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لتقبيل العلم.
الفنان هنا لم ينقل ملامح الوجه فحسب، بل غاص في أعماق اللحظة الوجدانية، حيث تبرز ريشته ملمس العلم الحريري وانسيابيته بين يدي الملك، في تكوين يركز الضوء على الاتصال الروحي بين القائد والرمز.
هذه اللوحة تعكس فلسفة «السيادة المتواضعة»، حيث يظهر القائد وهو يجلّ الراية التي تحمل كلمة التوحيد، مما يعزز في نفس المتلقي قيم الولاء المطلق للوطن ورموزه.
وتأتي لوحة الفنان نواف الدبل لتعيدنا إلى فجر التأسيس، حيث يصور المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- ممتطياً صهوة جواده، رافعاً الراية بيدٍ قوية لا تلين. يتوسع الدبل هنا في إظهار تفاصيل الفروسية؛ فخلفية اللوحة المليئة بضربات الفرشاة القوية والمتداخلة تعكس غبار المعارك وصعوبة التحديات التي واجهت توحيد البلاد، بينما يبرز الملك بملامحه الواثقة كمنارة استقرار، حاملاً العلم الذي يرفرف خلفه كشراع يقود سفينة الوطن نحو بر الأمان، في دلالة رمزية على أن السيادة السعودية انتُزعت بالحق وصينت بالإرادة والفروسية.
أما الفنان فايع الألمعي، فقد اختار أن يجسد العلم في حالة من «العنفوان الحركي»، حيث تبدو لوحته وكأنها لقطة سينمائية متجمدة لفارس يسبق الريح. يتجلى الإبداع هنا في تمزيق السكون؛ فالعلم يظهر بتموجات حادة ومتلاحقة توحي بالسرعة الفائقة، في إشارةٍ رمزية للنهضة السعودية المعاصرة التي تتسارع خططها ورؤيتها. إن اختيار الألمعي للألوان الزاهية والخطوط الانسيابية يعكس روح الشباب السعودي المتوثب نحو المستقبل، وكأن العلم في لوحته هو المحرك القوي الذي يدفع بالوطن نحو آفاق عالمية جديدة.
ومن صخب الحركة إلى فلسفة النماء، تأتي لوحة الفنانة عواطف المالكي بأسلوبها الذي يمزج بين التجريد والرمزية، حيث تتداخل خضرة العلم مع تشكيلات النخيل الباسقة. الفنانة هنا تعمقت في ربط اللون بالبقاء فالأخضر في علم السعودية ليس مجرد لون، بل هو رمز للحياة والعطاء الذي تمثله النخلة السعودية. تظهر سعف النخيل في اللوحة وكأنها أيادٍ وطنية ترفع العلم، أو جذورٌ ضاربة في أعماق الأرض تحميه، في تكوين بصري يعزز فكرة أن القوة الوطنية نابعة من عمق الأرض ومن تمسك الشعب بأصالته وبيئته التي استمد منها صموده عبر القرون.
ويُختتم هذا البهاء في لوحة الفنان أحمد الجدعان، التي تُعد موسوعة بصرية متكاملة ففي مساحة فنية شاسعة يرصد الجدعان التحول الكوني للمملكة، رابطاً بين قدسية الحرمين الشريفين وجذور الدرعية وبين ناطحات السحاب في الرياض وطائرات الصقور السعودية التي ترسم العلم في كبد السماء. العمل يتوسع في رصد التفاصيل العمرانية بدقة تجعل المتلقي يشعر بعظمة المنجز، حيث تظهر كلمة التوحيد مسيطرة على المشهد، لتؤكد أن كل هذا البناء والتقدم يدور في فلك المبادئ التي قامت عليها الدولة، وهي لوحة تمنح شعوراً بالفخر الوطني الشامل، وتلخص قصة الدولة السعودية منذ نشأتها حتى وصولها إلى عنان السماء.
نحتفي بيوم العلم و نستشعر تلك الحكمة العظيمة التي تقود بها يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وروح الطموح الوثابة التي يبثها فينا مهندس الرؤية الأمير محمد بن سلمان، لقد استطاعت المملكة بحكمتهما أن تتبوأ مكانةً سياسية واقتصادية وعسكرية غير مسبوقة، فأصبحت الرقم الصعب في المعادلات الدولية، والحصن المنيع الذي يحمي المكتسبات، والواحة التي تحتضن الإبداع الثقافي والفني.
إن تركيز القيادة على الجانب الثقافي لم يكن ترفاً، بل هو إدراكٌ عميق بأن الثقافة هي «الروح» التي تمنح النهضة معناها، وهي الرسالة التي ننقل من خلالها للعالم أجمع قصة شعبٍ يعتز بماضيه، ويثق بحاضره، ويصنع مستقبله بكل ثقة واقتدار.
سيظل العلم السعودي عالياً يرفرف في سماء المجد، وستظل فرشاة الفنان السعودي هي الحارس الأمين للذاكرة الوطنية، تكتب بمداد الفخر والجمال قصة وطنٍ عظيم لا يغيب عنه الضياء، وشعبٍ يبايع قيادته في كل صياغة لونية وقصيدة شعرية، مؤكدين للعالم أن السعوديين «همةٌ» تعلو الجبال، ورايةٌ لن تنكس.
** **
منصة إكس: AL_KHAFAJII