مبارك بن عوض الدوسري
قبل أكثر من ستة عقود، حين كانت بيوت الطين تحتضن أهلها في بلدة النويعمة بمحافظة وادي الدواسر، كان العيد يأتي بطريقة مختلفة تماماً عمّا نعرفه اليوم؛ لم تكن الشوارع واسعة ولا البيوت فارهة، لكنها كانت عامرة بالقلوب الواسعة، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضاً، وتُفتح الأبواب دون استئذان، ويكبر الأطفال في حضن مجتمع صغير متماسك لا يعرف الغريب طريقاً إلى القلوب قبل البيوت.
يستعيد رجل يبلغ اليوم الخامسة والستين من عمره تلك الأيام، فيبتسم وكأنه يعيد شريط الزمن إلى الوراء، حين كان طفلاً ينتظر العيد بشغف لا يشبه أي انتظار آخر ؛ يقول إن أجمل ما كان يعيشه الصغار آنذاك هو تلك الحكاية التي ينسجها الكبار ببراءة، إذ كانوا يوهمونهم بأن العيد يمشي على قدميه، يقترب يوماً بعد يوم من البلدة؛ في العشر الأواخر من رمضان تحديداً، كان الكبار يشيرون إلى مكان بعيد ويقولون إن العيد وصل إلى هناك، ربما إلى مزرعة يعرفون اسم صاحبها، ثم في اليوم التالي يقترب أكثر، وهكذا حتى يشعر الصغار أن العيد يسير فعلاً في الطرقات، قادماً إليهم خطوة بعد أخرى.
كانت البلدة صغيرة، شوارعها ضيقة، لكنها لم تكن تضيق بأهلها ؛ الأطفال والدواب وبعض الدواجن يتشاركون الطرقات نفسها دون ضجر، ولم تكن هناك عمالة بلدية تنظف المكان، ومع ذلك كان الجميع يشعر أن المكان نظيف بما يكفي لأن تعيش فيه القلوب مرتاحة؛ كانت أبواب البيوت مفتوحة على الدوام، فيدخل الصغار إلى أي منزل دون تردد، يتجهون إلى الزير أو قربة الماء ليشربوا ثم يخرجوا، فلا يسمعون إلا كلمات المودة مثل: «بالعافية»، أو «سلّم لي على أهلك»، أو سؤالاً عابراً عن الجد والجدة، وكأن البلدة كلها بيت واحد كبير.
ومع اقتراب العيد، تبدأ ملامح الفرح بالظهور في تفاصيل الحياة اليومية؛ النسوة والفتيات يجتمعن ليضعن الحناء على أكفهن، مستخدمات أعواد الكبريت لرسم نقوش بسيطة، وما يتبقى من الحناء لا يذهب هدراً، بل يجد طريقه إلى بعض البهائم في المزارع، فتُزيَّن به رقاب الأغنام البيضاء أو بعض الحمير -أجلكم الله- وحتى القطط الصغيرة تنال نصيبها من تلك الزينة العفوية التي لم يكن وراءها سوى الفرح.
وفي تلك الأيام، لم تكن الكهرباء قد وصلت بعد، لذلك كان تجهيز الملابس الجديدة رحلة بحد ذاتها؛ يتذكر كيف كانوا يكْوون الشماغ بالمكوى الحديدي الذي يُوضع الجمر في جوفه، فيرتفع منه الدخان الخفيف بينما تحاول الأمهات إضفاء شيء من الأناقة على ملابس أبنائهن؛ ومع فجر يوم العيد، يلبس الصغار ثيابهم الجديدة بسعادة لا توصف، ثم يتجهون مع الكبار إلى مصلى العيد، حيث تمتزج تكبيرات العيد بضحكات الأطفال وفرحة اللقاء.
كانت الفتيات يرتدين حليّ الذهب بأحجام كبيرة دون خوف من لص أو صاحب نفس ضعيفة، فالأمان كان جزءاً من طبيعة الحياة؛ وبعد الصلاة يعود الجميع إلى البيوت، ثم ينطلق الصغار مع آبائهم لزيارة الأقارب وصلة الأرحام، حيث يتلقون «العيديات» التي كانت بسيطة في قيمتها لكنها كبيرة في معناها؛ حفنة من «القريض» أو بعض الحلوى، وربما عملات معدنية من فئة القروش، وفي بعض البيوت الميسورة قد يحصل الطفل على ريال كامل، فيشعر وكأنه ملك الدنيا.
ومع ارتفاع الشمس في الضحى، تبدأ العرضات الشعبية التي يشارك فيها رجال البلدة جميعاً، يصطفون بالسيوف ويرددون الأهازيج بحماس وفخر، بينما يقف الصغار حولهم مبهورين بذلك المشهد الذي يجمع بين الفرح والاعتزاز والهوية.
ومع انتهاء أيام العيد، تعود الحياة إلى بساطتها المعتادة، حتى إن بعض الصبية كانوا يُطلب منهم حفظ ملابس العيد بعناية لتكون ملابس المدرسة بعد الإجازة ؛ وكان أكثر ما يلفت انتباههم آنذاك حين يأتي أقارب من العاصمة الرياض بملابس مختلفة، خيطت لدى خياط يمني ماهر، فيها قيافة وقلّابات وكبك أنيق، في حين أن ثياب أبناء البلدة كانت تخيطها نسوة القرية ببساطة شديدة، حتى إن الثوب كان أشبه بكيس قماش له أكمام، لكنه رغم ذلك كان يحمل فرحة لا تقل عن أفخم الأزياء.
ويمضي صاحب الذكريات في حديثه، فتغلبه ابتسامة حنين ممزوجة بدمعة خفيفة، ويقول إن تلك الأيام، رغم بساطتها وقلة ما فيها من مظاهر الرفاه، كانت مليئة بالدفء والصدق؛ وحين يستعيدها اليوم، يشعر وكأن العيد القديم ما زال يمشي على قدميه في ذاكرته، يقترب كل عام مع رائحة الطين بعد المطر، وصوت التكبيرات في المصلى، وضحكات الأطفال وهم ينتظرون عيدية من «القروش» أو قطعة من الحلوى.
هكذا كانت الأعياد في تلك البلدة الصغيرة: بسيطة في تفاصيلها، كبيرة في معناها، محفورة في الذاكرة بقدر ما حفرت البسمة على الوجوه، والدمعة على الوجنات شوقاً إلى زمنٍ كان الفرح فيه أقرب إلى القلب، وأصدق في الحكاية.