عبود بن علي ال زاحم
ليست كل مقاومة تواجهها في طريقك ناتجة عن خطأ ارتكبته، ولا كل نقد يُوجَّه إليك يستحق أن تقف عنده طويلًا. هناك نوع آخر من المشاعر يطفو بهدوء في بعض البيئات المهنية والاجتماعية، لا يصدر عن موقف محدد، ولا عن تجربة مباشرة، بل عن شعور داخلي بالتهديد من كل من يتحرك للأمام بثبات. الكراهية غير المبررة التي قد تجدها من البعض ليست بسبب ما فعلت، بل بسبب ما أصبحت عليه، وبسبب السرعة التي تتقدم بها نحو أهدافك.
في بيئات العمل تحديدًا، حيث تتقاطع الطموحات وتتباين القدرات، يظهر هذا النمط بشكل أكثر وضوحًا. فالشخص الذي يرفض إصلاح واقعه المأزوم، ولا يبادر بمراجعة أدواته أو تطوير ذاته، يجد في نجاح الآخرين مرآة قاسية تكشف له حجم الفجوة بين ما هو عليه وما يمكن أن يكونه. وحين يعجز عن مواجهة هذه الحقيقة، يبحث عن طرق أخرى لتخفيف أثرها؛ فيُقلل من إنجازاتهم، أو يُشكك في نواياهم، أو يحاول التقليل من أثر ما يقدمونه.
المشكلة ليست في النقد ذاته، فالنقد الموضوعي ضرورة للنمو والتطور، بل في ذلك النقد الذي لا يستند إلى معيار مهني أو قراءة واقعية، وإنما إلى انزعاج داخلي من رؤية شخص آخر يبني مستقبله بهدوء وثقة. هنا يتحول النقد إلى انعكاس لحالة نفسية أكثر من كونه ملاحظة مهنية، ويصبح التعامل معه فنًا يحتاج إلى وعي واتزان.
القائد الحقيقي، والمهني الواعي، يدرك أن طريق الإنجاز لا يخلو من الضوضاء، وأن التقدم غالبًا ما يثير حساسية أولئك الذين اعتادوا الوقوف في المكان ذاته. لذلك، لا يستهلك طاقته في تبرير طموحه، ولا يبدد وقته في شرح دوافعه لكل من يطلب تفسيرًا لا يحتاج إليه. بل يواصل العمل بهدوء، ويترك للنتائج أن تتحدث عنه.
لقد أثبتت التجارب المهنية أن الأشخاص الذين يحققون أثرًا حقيقيًا هم الأكثر عرضة لسوء الفهم في البدايات، لأنهم ببساطة يكسرون النمط المعتاد. فحين تأتي بأفكار جديدة، أو ترفع سقف التوقعات، أو تعيد ترتيب الأولويات، ستواجه مقاومة طبيعية من بعض الأطراف. غير أن هذه المقاومة لا تعني أنك على خطأ، بل قد تكون مؤشرًا على أنك تتحرك في الاتجاه الصحيح.
في المقابل، فإن الانشغال بردود الفعل يستهلك طاقة لا تقل أهمية عن طاقة الإنجاز نفسها. والانغماس في محاولة إقناع الجميع بعدالة طموحك هو معركة خاسرة منذ البداية؛ لأن من أدمن العيش في الأزمات لن يرى في الاستقرار قيمة، ومن اعتاد الأعذار لن يفهم لغة الإنجاز.
لذلك، فإن الحكمة المهنية تقتضي أن تُحسن اختيار معاركك. لا ترد على كل تعليق، ولا تقف عند كل رأي، ولا تسمح لأي صوت عابر أن يعيد تشكيل قناعاتك. اجعل تركيزك منصبًا على تطوير نفسك، وتعزيز أدواتك، وبناء أثر مستدام في عملك ومجتمعك. فالأثر الحقيقي لا يحتاج إلى دفاع طويل، بل إلى وقت كافٍ ليظهر.
وفي النهاية، تذكر أن الطريق إلى النجاح ليس اختبارًا لإرضاء الجميع، بل رحلة لإثبات ذاتك وفق معاييرك وقيمك. لا تضيع وقتك في تبرير طموحك لمن لا يرى في النجاح إلا تهديدًا، ولا تجعل ضجيج الآخرين يربك هدوءك الداخلي. امضِ بثقة، وواصل البناء بصمت؛ فالتاريخ المهني لا يكتبه من يعلّقون... بل من ينجزون.