د. هبة توفيق أبو عيادة
من أعظم المقاصد التي بُعثت من أجلها الرسالات، وغُرست في النفوس عبر التربية والدعوة، تهذيبُ الأخلاق وبناءُ الإنسان الصالح الذي يجمع بين سلامة القلب وحسن السلوك. ولذلك كان الوعظ في جوهره تذكيراً بالقيم، وإحياءً للضمير، واستنهاضاً للخير الكامن في النفوس. غير أن هذه الرسالة السامية قد تصاب أحياناً بآفة خطيرة تُفرغها من معناها وتفقدها تأثيرها، وهي أن يتحول الوعظ إلى كلماتٍ جميلة تُقال، بينما يظل السلوك بعيداً عنها. فحين يعلّم المرء الناس الخُلُق ويُسيء الخُلُق، لا يضر نفسه فحسب، بل يسيء إلى القيم التي يدعو إليها، ويهزّ ثقة الناس بالخطاب الأخلاقي كله.
إن البشر بطبيعتهم لا يتعلمون بالأقوال وحدها، بل يتعلمون بالقدوة قبل الكلمة، وبالسلوك قبل الخطاب وبالأنموذج قبل الوعظ. وقد يدوم أثر موقفٍ صادقٍ في النفس أكثر مما تدوم عشرات الخطب والمواعظ. لذلك كان أعظم ما يميز المربين الصادقين أنهم يجسدون ما يدعون إليه. فالكلمة حين تصدر من قلبٍ يعيشها تكون حيّة مؤثرة، أما إذا خرجت من لسانٍ لا يصدقها العمل فإنها سرعان ما تفقد بريقها، وربما انقلبت إلى سببٍ للنفور والشك.
ولهذا جاء التحذير القرآني شديداً من هذه المفارقة المؤلمة بين القول والعمل، فقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، فالآية لا تعترض على تعليم الناس الخير، بل على أن يتحول التعليم إلى دعوةٍ بلا التزام، وإلى خطابٍ لا ينعكس في سلوك صاحبه.
إن المشكلة ليست في الوعظ نفسه، بل في أن يصبح الوعظ بديلاً عن العمل، أو ستاراً يختبئ خلفه التقصير. ومن هنا كان أثر هذا التناقض خطيراً؛ لأن الواعظ حين يخطئ في سلوكه لا يخطئ بصفته فرداً عادياً، بل بصفته ممثلاً لقيمةٍ أو فكرةٍ أو رسالة. ولذلك فإن زلته قد تُفسَّر عند بعض الناس على أنها دليل على عجز القيم نفسها، لا على ضعف الإنسان. كم من شابٍ ابتعد عن النصيحة لأنه رأى من يقدّمها لا يلتزم بها، وكم من قلبٍ فقد ثقته بالكلمات حين رأى التناقض بينها وبين الأفعال.
وليس معنى ذلك أن الواعظ يجب أن يكون معصوماً من الخطأ؛ فالكمال ليس من طبيعة البشر، وكل إنسان عرضة للتقصير. لكن الفرق كبير بين من يقع في الخطأ وهو يعترف به ويجاهد نفسه ليتجاوزه، وبين من يجعل الخطأ عادةً بينما يستمر في تقديم الدروس عن الفضيلة. الأول صادق مع نفسه ومع الناس، أما الثاني فإنه يخلق فجوة بين الخطاب الأخلاقي والواقع العملي.
إن الوعظ الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يصل إلى الآخرين. يبدأ من محاسبة النفس، ومن محاولة ترجمة القيم إلى أفعال يومية. فالخلق ليس موضوعاً نظرياً يُشرح، بل هو سلوك يُرى ويُحسّ. وقد يفشل الإنسان في بعض المواقف، لكنه إذا كان صادق النية في إصلاح نفسه فإن كلماته تظل تحمل قدراً من الصدق، لأن الناس يشعرون أنه يجاهد نفسه قبل أن يعظ غيره.
قارئنا الكريم إن التاريخ الإسلامي يقدم لنا نماذج بديعة في هذا المعنى؛ فقد كان العلماء والوعاظ يخافون من التناقض بين القول والعمل أكثر مما يخافون من التقصير في الكلام. كانوا يدركون أن الكلمة مسؤولية، وأن الدعوة إلى الخير تضع صاحبها في موضع القدوة، وأن الناس قد ينسون كثيراً مما يسمعون، لكنهم لا ينسون ما يرونه من سلوك. ومن أخطر ما يصيب المجتمعات أن يفقد الخطاب الأخلاقي مصداقيته. فحين يعتاد الناس سماع المواعظ دون أن يروا لها أثراً في الواقع، تتسلل إلى النفوس حالة من اللامبالاة، ويصبح الكلام عن القيم مجرد صوتٍ مألوف لا يوقظ الضمير. وهنا تتحول الموعظة من وسيلة للإصلاح إلى كلماتٍ عابرة لا تترك أثراً يُذكر.
ولهذا فإن أعظم ما يحتاجه الوعظ في زمننا ليس كثرة الكلمات، بل صدق القدوة. فالمجتمع لا يعاني من نقص النصائح بقدر ما يعاني من قلة النماذج التي تجسد هذه النصائح في الحياة اليومية. حين يرى الناس الخلق متجسداً في الصبر، وفي التواضع، وفي العدل، وفي احترام الآخرين، فإنهم يتعلمون منه أكثر مما يتعلمون من الخطب الطويلة.
إن آفة الوعظ ليست في الكلام عن الأخلاق، بل في أن يتحول هذا الكلام إلى شعارٍ بلا روح. وخصوصًا إن كان أستاذًا جامعيًا أو داعية للفضيلة أو إمامًا في المسجد يعلم الناس الفضيلة وحسن الخلق بينما في الواقع يؤذي الناس حتى في طرقاتهم وهنا يظهر التناقض.
إن الواعظ الصادق هو الذي يجعل نفسه أول ميدانٍ لتطبيق ما يقول، فيجتهد أن يكون سلوكه أقرب ما يكون إلى كلماته. فإذا أخطأ استغفر، وإذا قصر راجع نفسه، وإذا نصح غيره فعل ذلك بروح التواضع لا بروح الاستعلاء.
ختامًا، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تتغير: الأخلاق لا تُورَّث بالكلمات، بل تنتقل بالقدوة. وما كان صادقاً في القلب يصل إلى القلوب، وما كان مجرد كلمات يبقى أسيراً للسان. لذلك فإن أعظم ما يحفظ للوعظ قيمته وتأثيره أن يظل مرتبطاً بالسلوك، وأن يبقى الداعي إلى الخلق حريصاً على أن يكون أول من يعيش ما يدعو إليه.