عبدالعزيز صالح الصالح
لم يحرص دين من الأديان السماوية، أو مذهب من المذاهب التي عرفتها البشريَّة قاطبة بالإنسان الذي ينتمي إليها، كما اهتم الإسلام بكل ما أتيح له أن يكون من أتباع هذا الدِّين العظيم، هذا الدِّين الَّذي حرص على أن يحمل دائماً راية التوجيه والرعاية والاهتمام بالبشريَّه عامَّة، كما حرص على أن يكونوا دائماً في أرفع المستويات الإنسانيَّة من حيث صحة الجسد وسلامة العقل وطهارة الرُّوح، دين يهتم برفع المستوى المادي والروحي للأمَّة الإنسانيَّة، عن طريق اجتماعيِّ ملتزم بالسماء ارتباط المخلوق بالخالق عزَّ وجلَّ، وبمفاهيمه الخاصَّة التي تختلف عن مفاهيم المبادئ الأخرى فله نظرياته حول المرء وحول المجتمع وله نظمه للحكم وقوانينه.
فالإسلام دين الحياة يتناول بتعاليمه جميع مظاهرها وألوان النشاط فيها، ويسعى لتحقيق فكرته الشمولية لسائر القيم المادِّيَّة والمعنوية ولا ينطبق مفهوم الإسلام على جماعة من الجماعات البشريَّة إلاَّ إذا حكمت هذه الجماعة بالإسلام في كافة مرافق حياتها:
في مالها وسياستها، وفي تشريعها وقوانينها، وفي علاقاتها الخارجية، وإن هذا الأمر يعطي للعبادة في الإسلام مفهوماً شمولياً - فإن فترة تاريخ حياة المرء لها أثرها الخطير في صياغة شخصيَّته مثل مرحلة الطفولة، فالنفس في هذه المرحلة أشبه بمادة الصلصال الطري الذي يستجيب لأصابع الخزاف، فهي أكثر تقبلاً للمؤثرات الخارجيَّة التي تحدد مسارات الطفل الذي سيغدو سوي النفس أو غير سويها في أطوار مراحل حياته، حيث إنها تتطور على مر السِّنين، فالجدير بالذكر أن الكتب السماوية على اختلاف مذاهبها توصي برعاية الأطفال وحمايتهم، ففي كتاب الله الكريم أكثر من خمس عشرة آية تفرض على المؤمنين ذلك كما أننا نجد فيه استنكاراً صارخاً لبعض العادات الاجتماعيَّة المستهجنة التي سادت في العصر الجاهلي في الحقبة الزمنية الماضية.
ويقول الباري عزَّوجلَّ في محكم كتابه الكريم: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطئا كَبِيرًا} (31) سورة الإسراء.
فمن هذه الآية وغيرها يتبين لنا جلياً أن كتاب الله الكريم جاء ليعالج خللاً اجتماعياً لم تنجح الغريزة في تقويمه. وبعد هذا قامت التعاليم الدِّينيِّة قبل وجود القوانين الاجتماعيَّة في الدول المتعدِّدة بالدفاع عن حقوق الأولاد إذا ما عجز أولياء الأمر على رعايتهم.
ونجد هذا الدِّين العظيم قد كفل للإنسانيَّة حياة سعيدة بما احتوته رسالته السماوية من عدالة اجتماعيَّة وقوانين تشريعية، كان للبراعم الناشئة فيها النصيب الأوفر من الحقوق والواجبات على مجتمعه وأسرته، فقد اعتنى الإسلام أشدَّ العناية والاهتمام بهذا الطفل الَّذي منح كل السبل لهذا الإنسان الضعيف وأوصى (بالترغيب والترهيب) برعايته وحمايته وتوفير أسباب السَّعادة والاطمئنان له.
والله من وراء القصد.