سلمان بن محمد العُمري
حدثني أحدهم بتعجب واستغراب، وكنت أنا أشد استغراباً من عجبه ودهشته، فقد كان متعجباً من حصول عدد من طلاب وطالبات كليات الطب في جامعات المملكة على مراكز متقدمة في مسابقة الملك سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم لهذا العام.
نعم حديث صاحبنا هو العجب، ولا ألومه لأنه بعيدٌ عن حقول القرآن الكريم، وتفوق الحفظة ممن يدرسون في الطب لم استغربه ففي مسابقة الملك سلمان بن عبدالعزيز القرآنية التي اختتمت أعمالها خلال شهر رمضان المبارك حصل عدد من طلاب وطالبات الطب في جامعات الإمام عبدالرحمن بن فيصل، والملك عبدالعزيز، وطيبة، وغيرهم في الجامعات الأخرى، على جوائز المراكز المتقدمة، وهذا التفرد والتميز لحفظة كتاب الله من ذوي التخصصات العلمية ناتج عن حبهم وشغفهم بالقرآن الكريم الذي تربوا ونشأوا عليه.
إن للأسرة والبيئة المحبة للقرآن الكريم وعلومه والعلوم الشرعية دور محوري في توجيه الأبناء نحو القرآن الكريم، وتشجيعهم على الالتزام بالحفظ والتدبر، وتوفر لهم الدعم النفسي والمعنوي الذي يعزز التفوق الديني والأخلاقي.
رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم حث أمته على إكرام أهل القرآن العاملين به، التَّالين له، تعظيمًا لكلام الله وإجلالاً له، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (البخاري).
كان لي الشرف في خدمة القرآن الكريم وحفاظه في بداية تأسيس هذه المسابقة وكنت ممن شرف وأسهم بالعمل على تنظيمها من خلال متابعة أعمال العاملين في الحقول القرآنية وعلى ما يقرب من عشرين عاماً، وعملت على إبراز مناشطهم في وسائل الإعلام، ولازلت باذلاً جهدي -قدر المستطاع_، في خدمة أهل القرآن خارج منظومة المسابقة، ومن خلال إشرافي على بعض اللجان في المسابقات القرآنية خلال تلك الفترة، وهذا شرف لي أفتخر به وأعتز، وبالذات في مسابقة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود المحلية منذ أن كانت فكرة، ومسابقة الملك عبدالعزيز الدولية، والإسهام مع المراكز والجمعيات الخيرية القرآنية وخدمتها في برامجها وأنشطتها، ولست بصدد الحديث عن مآثر ومنجزات تلك الحلقات والجمعيات، ولكني سأركز على جانب معين وهو تفوق الحفظة في مسيرتهم الدراسية، ووصلوا إلى مراكز علمية وعملية عليا في الطب، والهندسة، والسلك العسكري، والقضائي، والأكاديمي، والدبلوماسي وغيرها، ولم يكن حفظ القرآن الكريم عائقاً لهم في تحصيلهم وتفوقهم الدراسي.
في دراستي العلمية المعنونة بـ»جائزة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لحفظ القرآن الكريم:(عطاء ونماء) دراسة ميدانية»؛ رصدت فيها مسألة تأثير حفظ القرآن الكريم، والذهاب إلى حلقات التحفيظ على التحصيل العلمي المدرسي للطلاب والطالبات، وأن حفظ القرآن الكريم معزز للتفوق ولا تعارض بين الأمرين.
لقد كانت سعادتي وغيري ونحن نرى حفظة القرآن الكريم متفوقين في تحصيلهم الدراسي، مع وجود من يزعم أن التحفيظ يتعارض مع التحصيل الدراسي، وينشر هذا الادعاء.
لقد أوضحت نتائج الدراسة أن 98.2 % من عينة البنين، أكدوا أن الحفظ لم يتعارض مع التحصيل الدراسي، بل شجعهم الحفظ على الدراسة، وساعدهم على التفوق، في حين أن عيّنة البنات كشفت أن 91.5 أكدن أن الحفظ لم يتعارض عندهن مع التحصيل الدراسي.
ولاشك أن هذه النتائج تؤكد ما نشاهده في الواقع العملي من تفوق الحفاظ في دراستهم الأكاديمية، وعدم التعارض بين الأمرين عملياً، إضافة إلى ما أظهرته دراسات علمية أخرى حول ذلك، وهذا دليل قاطع على بطلان مزاعم أن التحفيظ يؤثر في تحصيل الطلاب، ورد شاف وكافٍ على إرجافهم.
ومن هنا دعوت في التوصيات العامة للدراسة إلى العمل على تغيير المفاهيم الخاطئة لدى البعض بأن الدراسة في حلقات تحفيظ القرآن الكريم تمثل عائقاً في التحصيل الدراسي للطالب أو الطالبة، وذلك من خلال أحاديث العلماء والحفاظ، والاستفادة في ذلك من نتائج بعض البحوث والدراسات العلمية؛ مما يعطي هذا النهج قوة، بل إن حفظة القرآن الكريم قد حازوا قصب السبق في التفوق على أقرانهم في التحصيل العلمي وغيره.
والمطلع على الدراسات العلمية والبحثية الأخرى يجدها تؤكد على أن حفظ القرآن الكريم وتلاوته يقوي الذاكرة، ويعزز مهارات القراءة والكتابة لدى الناشئة، ويساعد في تنظيم الوقت وحسن استغلاله، ويضمن النجاح والتفوق في الكبر، ويحفظ لغتنا العربية من الاندثار، وبنفس الوقت وقاية من الأمراض النفسية.