د. سجى عارف
لم يعد التحدي الأكبر في الإعلام المعاصر هو الوصول إلى الجمهور، بل القدرة على تشكيل وعيه في زمن تتزاحم فيه الأصوات وتتسارع فيه المعلومات. فالإعلام الذي يكتفي بنقل الحدث لم يعد كافيًا، والإعلام الذي يلهث خلف السرعة لا يصنع أجيالًا، والإعلام الذي يكرر دون أن يفسر لا يخدم وطنًا. إن ما نحتاجه اليوم هو إعلام يتجاوز حدود النشر إلى فضاء البناء ويُعيد تعريف دوره بوصفه شريكًا في صناعة الإنسان قبل صناعة المحتوى.
لقد تغيَّر المشهد الإعلامي الذي نعرفه، وتغيَّر معه المتلقي وزادت متطلباته، فهو يتلقى معلوماته من منصات متعددة، لكنه كثيرًا ما يفقد بوصلته المعرفية التي تساعده على فهم ما يراه، وتحليل ما يسمعه، وتقييم ما يُعرض عليه. وهنا يظهر الخلل: المحتوى متوفر لكن لا يحمل الوعي، والسرعة حاضرة لكن الفهم غائب، والانتشار واسع لكن التأثير الحقيقي محدود.
إن الإعلام الذي يبني العقول هو الذي يمنح المتلقي أدوات التفكير لا مجرد نتائج جاهزة، إعلام يطرح الأسئلة قبل أن يقدم الإجابات، ويشرح السياق قبل عرض التفاصيل، ويُرينا كيف نرى العالم لا كيف نردد ما يُقال، هو إعلام يحرض على المعرفة، ويوقظ الفضول، ويعزِّز القدرة على التميّز بين الحقيقة والضجيج.
وفي ظل الرؤية السعودية أصبح هذا الدور أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالرؤية لا تبني اقتصادًا فقط، بل تبني إنسانًا قادرًا على الإبداع، والتفكير، والمشاركة في صناعة المستقبل. والإعلام جزء أصيل من هذا البناء فهو القوة الناعمة التي تشكِّل الهوية وتغرس الانتماء وتدعم التعليم وتفتح آفاقًا جديدة للوعي الوطني.
لذا لنعمل على صناعة إعلام يخدم الوطن وننتقل بوعي من إعلام الحدث إلى إعلام الإنسان عبر تعزيز التربية الإعلامية في المدارس والجامعات لنبني جيلاً قادراً على التفكير النقدي لا الاستهلاك السلبي، ونُطلق منصات معرفية وطنية تُقدم محتوى متخصصاً وعميقاً لا مجرد محتوى سريع، وندعم الصحافة العلمية والبحثية، كما نعمل على تطوير مهارات الصحفيين في التحليل والتفسير وصناعة البيانات لنُقدم محتوى يثري العقل، كما علينا إعادة تعريف وظيفة الإعلام بوصفه شريكاً في التنمية الوطنية لا مجرد ناقل للمعلومات، بالإضافة إلى استخدامنا التقنية والذكاء الاصطناعي لتعزيز المحتوى لا لإنتاج ضجيج رقمي بلا قيمة واستخدام أدواته للمساعدة لا كبديل عن عقولنا.
إن الإعلام الذي نحتاجه اليوم هو إعلام يصنع الإنسان قبل أن يصنع العنوان، ويبني الوعي قبل الأرقام، ويخدم الوطن قبل المنصة، هو إعلام يعلمنا كيف نفكر، لا كيف نكرر، نحتاج لإعلام يزرع المعرفة ويصنع الأجيال ويشارك في بناء مستقبل وطن طموح.