جانبي فروقة
لم يعد مضيق هرمز مجرد مضيق وممر مائي تعبره أضخم ناقلات النفط بل تحول إلى مقصلة مسلطة على عنق الاستقرار العالمي، فنحن اليوم لا نعيش أزمة نفط تقليدية بل نشهد لحظة انكسار كبرى تتقاطع فيها لغة الصواريخ مع رنين الهواتف الذكية وأمن الطاقة مع رغيف الخبز، وفي أروقة العواصم الكبرى تدار الأزمة بعقلية لاعب البوكر فواشنطن وطهران وبروكسل يجلسون حول طاولة واحدة، لكن أحداً لا يكشف أوراقه كاملة والاقتصاد هو الرهينة الكبرى والدبلوماسية ليست سوى تكتيك لربح الوقت، وتحاول أوروبا تقمص دور الوسيط العقلاني وسط ضجيج الطائرات والصواريخ ساعية لتجميد التصعيد عبر مبادرات دولية لحماية الملاحة، وفي المقابل تلوح الولايات المتحدة الامريكية بخيارات قاسية تبدأ بالضغط الشامل ولا تنتهي بالضربات الجراحية أما إيران فترسم واقعا ميدانيا يفرض نفسه كأمر واقع ولكن خلف كل هذه المناورات يبرز السؤال الجوهري: من سيتحمل كلفة الجولة الأخيرة؟
يشكل مضيق هرمز شريانا للعالم حيث يمر يوميا حوالي + 20 مليون برميل نفط أي ما يقارب من 20 % من الاستهلاك العالمي وكما يمر منه ثلت تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وكذلك حصة المنتجات النفطية المكررة التي تمر منه حوالي 19 % وكذلك المواد الكيميائية بما فيها الأسمدة تشكل حوالي 13 % وبمعنى آخر كل ناقلة تمر تؤثر على سعر الكهرباء في آسيا وكل تأخير ينعكس على مصانع أوروبا وكل تهديد يهز الأسواق العالمية و70 % من صادرات النفط عبر هرمز تتجه إلى آسيا مما يجعل مضيق هرمز قضية أمن اقتصادي عالمي بامتياز، وبعيدا عن المؤتمرات والبيانات يتشكل واقع مقلق فوق مياه الخليج حيث تمارس إيران الابتزاز المائي وتفرض الأتاوات عليها؛ حيث إن السفن تتحرك تحت تهديد مستمر وصار العديد منها يطفئ أجهزة التتبع ويتحرك كشبح لتجنب المخاطر والمرور صار مكلفا أمنيا وليس ماليا فقط.
العالم اليوم لا يعمل بالنفط فقط، بل بشبكة معقدة من المواد الخام والكيماويات وسلاسل الإمداد؛ لذلك من الخطأ اختزال الأزمة في أسعار النفط حيث إن تعطل التدفق يوقف المصانع ويؤخر الإنتاج لكل السلع والمشكلة لا تعود بالسؤال كم ارتفع السعر؟ ولكن هل السلعة موجودة أصلا؟
وهنا يدخل العالم اقتصاد الندرة المفاجئة وإذا كان النفط هو عنوان الأزمة فإن الغذاء هو القصة الحقيقية، فقد أصبح الغذاء للعالم على المحك لأن تعطل إمدادات الأسمدة والتي تشكل عنصرا أساسيا للإنتاج الزراعي قد يخفض الإنتاج الزراعي فترتفع أسعار الغذاء وتحدث أزمات خانقة وبعبارة أخرى تنتقل الأزمة من الأسواق إلى الموائد.
يشتعل اليوم في العالم أكثر من 130 صراعا مسلحا وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية وحرب السودان وحرب غزة، والآن الحرب الإيرانية الامريكية الإسرائيلية ورغم أن الحروب اليوم تزكي لغة الأرقام السلبية فنجد مثلا بحرب إيران اليوم وخلال أسابيع قليلة حدث تصعيد عسكري تبعه انخفاض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وارتفعت أسعار الطاقة وتراجعت الثقة في الأسواق العالمية لكن الرقم الأهم هو صفر يقين؛ فالعالم يترقب ولا يعرف ما سيحدث بعد ذلك.
ورغم أن الإيرانيين أخطأوا بحق جيرانهم وخاصة دول الخليج وقاموا بتوجيه صواريخهم ومسيراتهم إلى دول حاولت مساعدتهم أصلا إلا أن مواقف دول الخليج الشجاعة وإذكائها مبدأ الحياد والحكمة في عدم الدخول في الصراع الإسرائيلي الأمريكي مع الإيرانيين يعطي دائما فرصة للسلام وإطفاء سعير الحرب؛ ففي لحظة إقليمية مشحونة تتسارع فيها دعوات التصعيد اختارت دول الخليج مسارًا مختلفًا يعكس نضجًا استراتيجيًا يتجاوز ردود الفعل الانفعالية، وإذا ما قرأنا هذا الموقف من خلال مبدأ «خريطة الوعي» (Map of Consciousness) لديفيد هوكينز (طبيب وباحث أمريكي ) يمكن فهمه كتحول واعٍ من مستويات الخوف والغضب التي غالبًا ما تدفــع الدول إلى قرارات متسرعة نحو مستوى «الشجاعة» بوصفه الحد الأدنى للوعي البنّاء، فالشجاعة هنا لا تعني التردد أو الضعف بل القدرة على كبح الانجرار وراء التصعيد واتخاذ قرارات محسوبة تحمي الاستقرار وتخدم المصالح طويلة الأمد.
إنها شجاعة اختيار العقل بدل الانفعال والدبلوماسية بدل المواجهة العسكرية المباشرة وبناء المستقبل بدل الانزلاق إلى صراعات تستنزف الموارد وتعيد المنطقة إلى دوائر عدم اليقين.
طالت التداعيات السلبية للحرب على إيران الولايات المتحدة الامريكية لتتجاوز البعد العسكري ووصلت لعمق الاقتصاد فقد أدى ارتفاع الأسعار للنفط والذي تجاوز ال 100 دولار للبرميل إلى زيادة تكاليف الوقود والنقل وانعكس مباشرة على التضخم وأضعف القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي ويحذر الخبراء من أن استمرار المستويات المرتفعة للطاقة قد تدفع الاقتصاد للركود ناهيك عن الضغوط الإضافية على الميزانية الدفاعية الامريكية حيث أن الحرب قد كلفت بالأيام الأولى 11 مليار دولار، واليوم تطلب وزارة الحرب الأمريكية من الكونغرس تمويل بقيمة 200 مليار دولار لذلك الصراع طويل الأمد مع إيران سيكون عبئا اقتصاديا واستراتيجيا متزايدا.
يصعد اليوم مفهوم الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية للسلام ببروز مفهوم ناشئ في دوائر الأمن الدولي ويعرف ببنية السلام الرقمية (Digital Peace Infrastructure) وهو يتجاوز فكرة الإنذار المبكر ليطرح الذكاء الاصطناعي مكوّناً هيكلياً في منظومة الاستقرار العالمي حيث تقترح أبحاث معهد CIGI الكندي تشكيل «وحدات استخبارات السلام الهجينة» وهي فرق تجمع خبراء الدولة والمجتمع المدني والتكنولوجيا لتحليل تحذيرات الذكاء الاصطناعي المبكرة بصورة مشتركة بهدف تحويلها إلى إجراءات دبلوماسية وقائية فعلية لا مجرد رصد رقمي جامد وفي السياق ذاته يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُغذّي المفاوضين بمحاكاة للسيناريوهات الاقتصادية لأي تصعيد مثلا كيف سيرتد سعر النفط؟ أيّ الدول ستنهار ماليًا؟ ما حدود التحمّل لكل طرف؟ محوّلاً طاولة التفاوض من مجال الحدس والخطاب إلى ميدان البيانات والأدلة ورغم قتامة المشهد اليوم في الخليج العربي لا يزال هناك هامش للحلول إضافة لتبني الذكاء الاصطناعي في إدارة الأزمات إذا وجدت الإرادة السياسية الحكيمة من تدويل أمن المضيق إلى إنشاء قنوات خلفية للتفاوض إلى تنويع سلاسل الإمداد وبناء مخزونات استراتيجية متعددة والخليج ببنيته التحتية سيتحول من ساحة أزمة إلى مركز حل لأن دول الخليج تمتلك المقومات لتكون منصة للحوار ومركز لإدارة الأزمات وستبقى لاعبا مهما في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
حين تضيق المضائق تتسع الحقائق وما يحدث اليوم ليس أزمة عابرة بل مؤشر على عالم مترابط ولكنه هش واختبار لقدرة العالم على البقاء متماسكا والمضائق اليوم هي أخطر من الصواريخ ويمكن أن تؤدي إلى اختناق استراتيجي.
** **
- كاتب أمريكي