د. عيسى محمد العميري
على وقع التحديات التي تعيشها منطقة الخليج العربي والعالم.. تبرز بعض الكلمات التي قيلت في أوقات سابقة وكأنها كُتبت لواقعنا الحالي، وما نقصده هنا ومن بين تلك الكلمات ما ورد في الخطاب السامي لصاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله، مع بداية توليه زمام أمانة البلاد، حين حذر من خطر الاستخدام السيئ لوسائل التواصل الاجتماعي.
فقد جاءت تلك الجزئية من الخطاب موجزة في عباراتها، عميقة في دلالاتها، مختصرة لمساحات واسعة من الشرح والتحليل حول واحدة من أخطر القضايا المعاصرة.
وبالتالي، فقد أدرك سموه، برؤية ثاقبة، أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أدوات للتواصل الاجتماعي، بل أصبحت منصات مؤثرة قادرة على تشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام، بل وحتى التأثير في استقرار المجتمعات. ومن هنا جاء التحذير من سوء استخدامها، لما قد يترتب عليه من نشر للشائعات، وبث للفرقة، وزعزعة للثقة بين أفراد المجتمع ومؤسساته.
واليوم، ومع اشتداد الأزمات والحروب في المنطقة، تتجلى أهمية هذا التحذير بشكل أوضح من أي وقت مضى. فقد أصبحت منصات التواصل ساحة مفتوحة لتداول الأخبار، كثير منها يفتقر إلى الدقة والمصداقية، مما يسهم في خلق حالة من القلق والارتباك بين الناس. وهنا يظهر جلياً توافق ما جاء في خطاب سمو الأمير مع واقعنا، وكأنه توجيه استباقي يحذر من مخاطر بدأت بالفعل تتفاقم.
كما أن خطورة الاستخدام السيئ لهذه الوسائل لا تكمن فقط في نقل المعلومات المغلوطة، بل تمتد لتشمل التأثير على النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات، واستغلال الأوضاع الحساسة لتحقيق أجندات ضيقة. وهو ما يجعل من الوعي المجتمعي مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد وتمتد إلى المؤسسات.
وبناء عليه يعكس خطاب سمو الأمير رؤية بعيدة المدى، تقوم على استشراف التحديات قبل وقوعها، ووضع الأسس الكفيلة بمواجهتها. فمثل هذه التوجيهات ليست مرتبطة بزمان أو ظرف معين، بل هي صالحة لكل وقت، خاصة في الأوقات الحرجة التي تحتاج فيها الدول إلى تماسك داخلي، ووحدة في الصف، ووعي في التعامل مع مصادر المعلومات.
إن ما تحتاجه البلاد في مثل هذه الظروف هو التمسك بهذه التوجيهات الحكيمة، وتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل، بحيث تكون أداة بناء لا وسيلة هدم. فالكلمة اليوم لم تعد مجرد رأي، بل قد تكون عاملاً في استقرار وطن أو اضطرابه.
وعليه نقول أنه يبقى الخطاب السامي نبراساً يُهتدى به، ودليلاً على قيادة واعية تدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن حماية المجتمع تبدأ من حماية فكره.
والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي