نورة مروعي
لم تكن التحديات التي تمر بها المنطقة اليوم معزولة عن سياقها، بل هي امتداد لمسارٍ طويل من الأزمات التي أُديرت بأساليب غير مباشرة، وكان ما سُمِّي بـ»الربيع العربي» إحدى أبرز محطاته، حيث تحولت بعض المطالب إلى موجات من الفوضى، استُغلت لإعادة تشكيل موازين القوى، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها.
وفي خضم هذه التحولات، برزت إيران كلاعبٍ يعتمد على إدارة الأزمات لا لإنهائها، بل مستثمرةً في الفراغات السياسية، ومُغذيةً لحالات الانقسام، عبر أدوات متعددة وأساليب غير تقليدية، هدفها إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم دون الوصول إلى استقرار حقيقي.
هذا النهج لم يكن قائمًا على الحسم، بل على الاستنزاف طويل الأمد، حيث تُدار الصراعات بطريقة تُضعف الدول تدريجيًا، وتستنزف مواردها، وتُربك أولوياتها، بما يمنح طهران مساحة أوسع للحركة دون الدخول في مواجهة مباشرة.
غير أن ما لم تأخذه طهران في الحسبان، هو حضور المملكة العربية السعودية بهذا الوعي الإستراتيجي العالي، الذي لم يكتفِ بقراءة المشهد، بل تعامل معه بعمقٍ يُفكك أهدافه، ويُحبط أدواته.
فالمملكة لم تنجر إلى موجات الفوضى، ولم تسمح بأن تتحول إلى ساحةٍ للصراعات، بل اختارت موقعها كركيزة استقرار، تُدير التحديات بعقل الدولة، لا بردود الفعل.
ومع تطور أساليب الاستنزاف، وتحوّلها إلى محاولات متجددة لجرِّ المنطقة نحو توترات ممتدة، أظهرت الرياض قدرةً لافتة على إدارة الموقف بذكاء، حيث حافظت على توازن دقيق بين الحزم في حماية أمنها، والحكمة في تجنب الانزلاق إلى مواجهات تخدم أجندات الآخرين.
وفي هذا السياق، تتجلَّى بوضوح الرؤية الحازمة التي عبَّر عنها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين أكد أن المملكة لن تنتظر حتى تصل المعركة إلى داخل حدودها، بل ستعمل على نقلها إلى داخل إيران، في إشارةٍ واضحة إلى وعيٍ استباقي بطبيعة التهديد، وقدرةٍ على تحويل مسار المواجهة بما يحمي أمن المملكة ويمنع استنزافها.
هذا النهج لم يكن حيادًا، بل إدارة واعية للصراع، تنطلق من فهمٍ عميق بأن بعض المعارك تُكسب حين لا تقع، وأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الانجرار إلى سيناريوهات الاستنزاف التي تُدار خارج إرادة الدول. وقد نجحت الرياض في نقل المواجهة من مربع التصعيد إلى مربع إفشال الإستراتيجية ذاتها، عبر تقليل فرص التوتر، وتعزيز الاستقرار الداخلي، وبناء مواقف متوازنة تُعيد ضبط الإيقاع الإقليمي.
وفي الوقت الذي راهنت فيه بعض الأطراف على إطالة الأزمات، كانت المملكة تعمل على احتوائها، وفي الوقت الذي سعت فيه قوى إلى إشعال الفوضى، كانت الرياض تُرسخ مفاهيم الاستقرار، وتُعيد التوازن للمشهد.
اليوم، يتضح أن الفارق لم يكن في امتلاك القوة فقط، بل في القدرة على توظيفها بوعي، وفي فهم طبيعة الصراعات الحديثة التي لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالإدارة الذكية، والرؤية بعيدة المدى.
وهنا تتجلى حقيقة المشهد:
الرياض لا تُستدرج.. بل تُدير.
لا تُستنزف.. بل تُحبط.
ولا تنجرف خلف الأزمات.. بل تُعيد تشكيل مسارها.