ليلى أمين السيف
لم يتوقف شعوري بالارتباك عند حدود الفكرة النظرية التي طرحها الدكتور نايف بن النهار في تفسير الآية «وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ»، بل وجدت نفسي فجأة أستحضر حادثة صغيرة وقعت معي قبل فترة، لكنها بدت بعد ذلك وكأنها مثال حيّ على معنى الآية فقد انتقلت إلى جوارنا مؤخرًا جارة عربية من بلد عربي جميل. وكعادتنا نحن العرب أو هكذا تعلمنا تبدأ معرفة الجار الجديد غالبًا بطبق طعام. ليس لأن الجيران جائعون بالضرورة، بل لأن الطعام في ثقافتنا لغة صامتة تقول:
نحن هنا إن احتجتم شيئًا.
أعددت طبقًا بسيطًا وطرقت جرس الباب وفتح لي الصغار بابتسامات لطيفة، لكن الأم لم أرَ وجهها. تكرر الأمر مرة أخرى ومرة ثالثة. الأطفال يفتحون الباب بابتسامة، أما الأم فتظل غائبة كأنها شخصية أسطورية لا تظهر إلا نادرًا ثم صادف أن التقينا مرة في الممر صدفة ابتسمت بخجل وقالت: «يي علي معليش كنت مشغولة وباعرف حالي مقصّرة».
فأجبتها ببرود لطيف: «أعانكِ الله».
وتساءلت بيني وبين نفسي ما الذي حدث لنا؟ نحن الذين كانت بيوتنا في بلادنا الأصلية مفتوحة على بعضها، أصبحنا اليوم نتعامل مع الجار وكأنه مشروع مشكلة محتملة بل إنني كثيرًا ما أقرأ على صفحات التنافر الاجتماعي عبارة غريبة «أنا عربي لكنني لا أحب السكن بجانب العرب».
سبحان الله أحيانًا يخطر لي بسخرية لا تخلو من مرارة أن بعضنا ربما اسمه الحقيقي سفنسون ونحن لا نعلم فهو عربي في جواز السفر، لكنه في نظرته للمجتمع يتصرف كأنه خرج لتوه من مختبر الفردانية الحديثة.
في البداية شعرت بالضيق فكرامة الإنسان بطبيعتها لا تحب أن تُقابل بالبرود، لكنني قلت لنفسي بعدها لا تغضبي حاولي مرة ومرتين وثلاثًا حتى إن أُغلق الباب تمامًا، فلعل ما تفعلينه يُكتب لك عند الله قبل أن يُقدَّر عند البشر ثم بعد أيام سمعت ذلك البودكاست وفجأة شعرت أن الفكرة التي كنت أتصرف بها بالفطرة وجدت تفسيرها القرآني الواضح: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}.
ربما لم تُخلق هذه الجارة لتكون صديقتي .ربما خُلقت لتكون امتحانًا صغيرًا لصبري وربما خُلقت أنا أيضًا لأكون امتحانًا لها دون أن أدري.
في تلك الفترة كنت قد تحدثت مع زوج ابنتي عن بعض النقاشات التي أكتبها أحيانًا في تويتر قلت له إنني أحيانًا أدخل في نقاشات طويلة مع أشخاص يهاجمون كل ما له علاقة بالمجتمع والدين فقال لي ببساطة:
«طنشيهم . لا توجعي رأسك بمهاترات مع ناس ما بدهم يفهموا»
ابتسمت وقلت له: لا أستطيع لأنني ربما أكتب مقالة ولا يتأثر بها تسعة وتسعون شخصًا لكن ربما الشخص رقم مئة قد يغيّر فكره وفكرة قد تغيّر إنسانًا وهكذا تتحرك المجتمعات.
وفي اليوم نفسه تقريبًا كنت أستمع لخطاب سئ الذكر بنيامين نتنياهو ذلك الرجل الذي لا يترك مناسبة إلا ويذكّر العالم بقدرة مؤسساتهم على التأثير في الإعلام ومنصات التناحر. كان يتحدث بفخر عن حرص المؤسسات اليهودية على نشر أفكارها ورواياتها عبر كل وسيلة ممكنة.
وقتها ابتسمت بسخرية مرة هم يفعلون ذلك بوعي كامل، بينما كثير منا يقضي وقته في تكرار جملة واحدة «طنّش» طنّش الخطأ، طنّش الجهل، طنّش الفكرة السيئة حتى أصبحنا نعيش في عالم عربي واسع لكن تأثيرنا فيه أضعف من تعليق عابر في زاوية الإنترنت. وهنا عدت إلى سؤال الآية مرة أخرى: {أتصبرون؟}
الصبر ليس فقط على الجار الثقيل الظل ولا على قريب مزعج بل الصبر أيضًا على محاولة الإصلاح نفسها . أن تحاول حتى لو سخر الناس منك. أن تكتب حتى لو تجاهلك الكثير. أن تمد يدك حتى لو بقي الباب مواربًا.
لأن المجتمع لا ينهار عندما يوجد فيه أشخاص صعاب، بل ينهار عندما يقرر الجميع أن يقولوا «طنّش»
وهنا أدركت أن المشكلة ليست في تلك الجارة، ولا في طبق الطعام الذي بقي خلف الباب، ولا حتى في البرود الذي أصبح سمة كثير من علاقاتنا.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة أننا بدأنا نفقد شيئًا كان يومًا ما جزءًا من روح هذا المجتمع القدرة على احتمال بعضنا فلم يعد الناس يريدون جارًا فيه نقص،
ولا صديقًا فيه عيب، ولا قريبًا يحتاج إلى صبر يريدون بشرًا بلا أخطاء
وكأنهم يبحثون عن ملائكة في حيّ سكن. وزاد الأمر سوءًا أن زمننا هذا صار مليئًا بالشعارات السهلة التي تُقال بابتسامة، لكنها تهدم ببطء ما بقي من روح المجتمع. نسمع كل يوم عبارات مثل:
«يلا نفسي أنا ومن بعدي الطوفان، دلّل نفسك، طنّش تعِش تنتعش!»
جمل قصيرة تبدو خفيفة على اللسان، لكنها تعلّم الإنسان شيئًا واحدًا أن ينسحب من الناس وأن يعتني بنفسه فقط بغض النظر عمن يعاني من حوله وكأن العالم كله مجرد خلفية لحياته الشخصية لكن الله لم يخلق البشر بهذه الطريقة.
لقد خلقنا مختلفين، متعبين أحيانًا، وثقيلين أحيانًا أخرى، وناقصين دائمًا كي نتعلم شيئًا واحدًا كيف نصبر على بعضنا.
ثم خطر لي خاطر آخر ربما يكون أكثر إيلامًا من قال إن المشكلة في الآخرين فقط؟
ما الذي يضمن أنني أنا لست أيضًا اختبارًا لغيري؟ ربما يراني شخص ما جارًا متطفلًا،أو إنسانًا مزعجًا يطرق الباب بطبق طعام في وقت غير مناسب،أو شخصًا يتدخل في حياة الآخرين أكثر مما ينبغي فنحن غالبًا نرى عيوب الناس بوضوح،
لكننا نادراً ما نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون ولهذا لم يقل القرآن إن الآخرين فتنة لكم..
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} بل قال بصدق أشمل وأعدل.
كلنا لبعضنا ثم ترك السؤال معلقًا فوق رؤوسنا منذ أربعة عشر قرنًا.
{أَتَصْبِرُونَ}
فمن يهرب اليوم من الناس قد يظن أنه ينجو بنفسه لكن الحقيقة الأبسط وربما الأقسى أن من لا يحتمل البشر لن يحتمل الحياة نفسها.