خالد بن عبدالرحمن الذييب
في المقال السابق تم الحديث عن فكرة التخطيط كسلاح دفاعي، مبتدئين بعبارة «إدموند بيكن» حول القبب والكتل الدائرية ودورها في الدفاع عن المدينة باستخدام التصاميم الحضرية كأحد خطوط الدفاع. ففي هذا العالم والذي يموج بالصراعات السياسية والاقتصادية، وتتداخل المصالح، فإن مخطط المدينة اليوم لا ينبغي أن يحصر تركيزه في الجماليات أو الجوانب الإنسانية فحسب، بل يجب أن يغوص في عمق «استدامة المدينة» بمفهومها الشامل؛ فنحن لا نحافظ على الموارد للأجيال القادمة فقط، بل نحافظ على كيان المدينة كاملاً باستخدام السلاح الاقتصادي والدرع التنموي كوقاية من أي اعتداء خارجي.
إن جذب الاستثمارات العالمية، والوكالات، والشركات الإقليمية والدولية ذات الصيت العالمي ليس ترفاً، بل هو حاجة سيادية لزيادة اقتصاديات المدينة، وخلق الوظائف، وتحريك دورة المال. والأهم من ذلك كله، أن هذه الكيانات تمثِّل «حائط صد» أمام أي هجمات عدوانية؛ فالدول المعادية ستفكر ألف مرة قبل القيام بأي عمل غير محسوب خشية الاصطدام بالرأي العام العالمي الذي ستحركه هذه الشركات الدولية حمايةً لمصالحها وأصولها.
من هنا، نستعير مفهوم «معامل المخاطر الجيوسياسي» تلك الأداة التي ولدت في عالم المال لقياس أثر التوترات الدولية على الأسواق، لنحولها اليوم إلى أداة «تخطيط حضري». نحن لا نبني مدناً مستدامة فحسب، بل نبني مدناً عصية على الاستهداف الإستراتيجي، تقوم فلسفتها على مبدأ «الردع عبر التشابك». فحين نصمم المدينة لتكون عقدة حيوية في سلاسل الإمداد العالمية ومقراً لشركات دولية فإننا نرفع كلفة فقدانها إلى حدٍّ لا يمكن للعالم تحمله. هذا الفكر يمتد ليعزز «صمود المدن» ليس ضد الكوارث الطبيعية فحسب، بل ضد المتغيرات الجيوسياسية باتباع مبدأ «الوقاية خير من العلاج».
إن الدول التي لا تزال تظن أن التسليح العسكري هو الخيار الوحيد للحفاظ على أمنها هي الأكثر عرضة للحروب؛ فالخيار العسكري -على أهميته- هو مجرد خيار من ضمن بدائل متنوعة. ولعل «الخيار الحضري» هو الأنسب للدول الطموحة، وخصوصاً أن التقنيات العسكرية تتطلب ميزانيات ضخمة وتغلفها سرية عالية؛ فالدول العظمى قد تبيعك السلاح القائم على تبادل المنفعة، لكنها أبداً لن تبيعك «التقنية» أو سر الصناعة.
أخيراً..
المدينة ليست فقط «مدناً للناس» كما يراها «يان جيل»، بل حصون دفاعية تحمي الإقليم بتوافقها مع الاقتصاد العالمي.
ما بعد أخيراً..
لم تعد المدن مجرد تكتلات سكنية وتوزيع استعمالات أراض فقط، ولكن بيئة حياة جاذبة تجعل من البناء «سلاحاً».