سارا القرني
ليس كل ما نضع عليه ثقتنا يستحقها، وليس كل من نراهن عليه قادرًا على حمل هذا الرهان. نخوض الحياة بقلوب مفتوحة، نمنح، نثق، ونراهن… ثم نتفاجأ بأن بعض الرهانات لم تكن في محلها، وأن بعض الأشخاص كانوا أصغر من أن يكونوا على قدر ما وضعناه فيهم من قيمة.
الرهان على الآخرين يحمل في طياته مخاطرة صامتة. ليس لأن الناس سيئون، بل لأن التوقعات غالبًا ما تكون أكبر من الواقع. فنحن لا نراهم كما هم، بل كما نريدهم أن يكونوا، فنرسم لهم صورة مثالية، ثم نُصدم حين تتكسر على أرض الحقيقة.
أسوأ ما في الخسارة، ليس خسارة الآخر، بل خسارة أنفسنا أمام أنفسنا. حين نشعر أننا أخطأنا التقدير، وأننا منحنا الثقة لمن لا يستحق، يتسلل إلينا شعور بالانكسار، وكأننا نحن من خذلنا ذواتنا قبل أن يخذلنا الآخرون.
قد يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها مجرد ذكر اسم من راهنّا عليه كافيًا لإعادة الألم، ليس لأنه فعل الكثير، بل لأنه لم يكن على قدر الرهان. كان أصغر من التوقع، وأضعف من الموقف، وأقل من أن يتحمل قيمة ما منحناه.
لكن الحقيقة التي لا يدركها الكثيرون في البداية، أن الرهان الحقيقي لا يكون على الأشخاص، بل على الحياة نفسها. على المواقف، على الأيام، على التجارب التي تكشف لنا من يستحق ومن لا يستحق.
الظروف هي الاختبار الحقيقي، والمواقف هي التي ترفع الستار عن النفوس، والأيام وحدها قادرة على أن تقول لك: هذا يستحق، وهذا لا يستحق.
ليست المشكلة في أنك راهنت، بل في أنك راهنت مبكرًا، قبل أن ترى، قبل أن تختبر، قبل أن تترك الزمن يتحدث.
تعلم أن تؤجل أحكامك، وأن تمنح الوقت حقه في كشف الحقائق، فما خفي اليوم، سيظهر غدًا، وما بدا عظيمًا في البداية، قد يتلاشى مع أول اختبار.
هناك أشخاص لا يظهر معدنهم إلا في الشدائد، وهناك من يسقطون عند أول منعطف، وهنا فقط، تعرف الفرق بين من يستحق أن تراهن عليه، ومن كان مجرد وهم جميل.
الحياة لا تخدع، لكننا أحيانًا نُسرع في الحكم، فنخدع أنفسنا بأنفسنا.
ولهذا، لا تراهن على أحد، دع الحياة هي من تختار، دع المواقف هي من تتكلم، ودع الأيام هي من تحسم.
فحين ترفع الحياة رايتها وتقول: هذا يستحق، ستدرك حينها أن الرهان الحقيقي لا يكون على من حولك، بل على ما يكشفه الزمن منهم.
وحينها فقط..
لن تخسر..
لأنك لم تراهن على وهم.