في كل مرحلة من مراحل الحياة المهنية أو الاستثمارية، يمر الإنسان بلحظة يتوقف فيها القرار عند سؤال واحد: هل أتحرك الآن أم انتظر حتى أطمئن؟ هذه اللحظة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل في داخلها وزن المسار بالكامل. لأن القرار فيها لا يُبنى على نقص في المعلومات، بل على حالة نفسية تتعلق بالخوف من الخطأ. نبحث عمّن يقول لنا إن الوضع مناسب، ونؤجل القرار حتى نشعر أن المخاطرة اختفت. لكن الواقع أن الطمأنينة لا تسبق القرار، بل تتبعه. لأن القرار في جوهره ليس غيابًا للخوف، بل قدرة على الفعل رغم وجوده. وهنا تتشكل أول مفارقة: الإنسان لا يتأخر لأنه لا يعرف، بل لأنه ينتظر أن يشعر بالراحة قبل أن يتحرك. وهذا ما يجعل التردد يبدو منطقيًا، رغم أنه في كثير من الأحيان السبب الرئيس لضياع الفرص.
الانتظار كمخاطرة غير مرئية
الانتظار يبدو خيارًا آمنًا، لكنه في الحقيقة يحمل مخاطرة غير مرئية. لأنك حين تنتظر حتى تتضح الصورة، فإنك غالبًا تدخل بعد أن يتحرك السوق، وبعد أن تفقد الفرصة أفضل توقيتها. بمعنى آخر، أنت لا تلغي المخاطرة، بل تؤجلها إلى مرحلة أقل فائدة.
في الأسواق، من يدخل بعد الاطمئنان، يشتري غالبًا عند ارتفاع الأسعار. بينما من يفهم الاتجاه مبكرًا، يستفيد من مرحلة عدم اليقين. الفرق ليس في الجرأة، بل في فهم طبيعة الحركة.
تجارب متكررة في الأسواق
في سوق الأسهم، يتكرر نمط واضح: عند الهبوط، يسود الخوف ويتوقف كثير من المستثمرين. وعند الصعود، يشعرون بالاطمئنان ويدخلون. لكن النتيجة تكون عكس المتوقع. لأن القرار هنا لم يُبنَ على فهم، بل على شعور.
هذا النمط لا يقتصر على الأسواق، بل يتكرر في القرارات المهنية أيضًا. من ينتظر الفرصة المثالية، غالبًا لا يبدأ. ومن يبدأ رغم عدم اكتمال الصورة، يبني خبرة تمكّنه من التقدم.
الوفرة وتعدد الفرص
أحد أهم التحولات الذهنية هو فهم مفهوم الوفرة. الوفرة لا تعني أن الفرص سهلة، بل تعني أنها تتكرر.
الشخص الذي يرى الفرصة كأنها الوحيدة، يتردد. أما من يرى الفرص كسلسلة، يتحرك ويتعلم ويعوض. هذا الفهم يخفف الضغط النفسي عن القرار. لأن الخطأ لا يصبح نهاية، بل جزءًا من المسار. وهنا يتحول القرار من عبء إلى عملية مستمرة.
المملكة كنموذج للتحول
في المملكة العربية السعودية، لا يتم التعامل مع المستقبل بمنطق الانتظار، بل بمنطق البناء. رؤية المملكة 2030 تمثل تحولًا جذريًا في طريقة التفكير، حيث لم يعد الهدف تحسين الواقع فقط، بل إعادة تشكيله.
نرى ذلك في قطاع الصحة، الذي لم يعد يقتصر على تقديم الخدمات، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل الوقاية والبحث العلمي والتقنية. ونراه أيضًا في الاستثمار في التقنية الحيوية، التي تمثل أحد أهم قطاعات المستقبل.
التقنية الحيوية والتعليم
التقنية الحيوية لم تعد قطاعًا متخصصًا فقط، بل أصبحت جزءًا من الاقتصاد المعرفي. والاستثمار فيها يعكس فهمًا عميقًا لما سيكون عليه المستقبل، لا لما هو قائم اليوم.
وفي التعليم، لم يعد الهدف نقل المعرفة فقط، بل إنتاجها. أصبح الطالب مطالبًا بأن يفكر ويبتكر، لا أن يحفظ فقط. وهذا يعكس تحولًا من التعليم كمرحلة، إلى التعليم كأداة إنتاج.
القرار كمهارة إستراتيجية
اتخاذ القرار لم يعد مجرد اختيار بين خيارين، بل أصبح مهارة قائمة على فهم المعطيات وإدارة المخاطر. الشخص الذي ينتظر الطمأنينة، لا يطور هذه المهارة. بينما من يتحرك رغم عدم اليقين، يبني خبرة تراكمية.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يتقدم ومن يتأخر: ليس في كمية المعرفة، بل في توقيت استخدامها.
الخاتمة
أنت لا تحتاج من يطمئنك، بل تحتاج أن تفهم. عندما تدرك أن الفرص متعددة، وأن القرار لا يحتاج إلى يقين كامل، ستتحرك بطريقة مختلفة.
وفي تلك اللحظة، لن تسأل: هل الوقت مناسب؟ بل ستسأل: هل أفهم بما يكفي لأتحرك؟
وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين من ينتظر الفرص... ومن يصنعها.
** **
- د. هدى الفردوس