صالح الشادي
ثمة قراءة باردة لواقع الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية، تقول إن «نظام الملالي» في إيران، رغم خطابه المناهض لإسرائيل وأمريكا، كان أحد أكثر الأطراف خدمةً لأجندتهما. لم يكن الأمر مجرد مؤامرة مظلمة، بل تقاطعاً عبقرياً بين النرجسية الايرانية الأيديولوجية والحسابات الباردة لواشنطن وتل أبيب. وما تحقق لإسرائيل من فوائد على حساب «الغباء الإيراني» -إن صح التعبير- يفوق ما حققته حروبها المباشرة. لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن أمريكا نفسها كانت، ظاهراً وخفياً، هي من مهد الطريق لإيران لتمارس هذا الدور.
بدأت القصة مع الحرب العراقية -الإيرانية (1980-1988). هنا تجلى الدعم الأمريكي الخفي لإيران بشكل صارخ في فضيحة «إيران-كونترا»، حيث سُلحت طهران سراً بصواريخ «تاو» و»هوك» عبر إسرائيل، في مقابل الإفراج عن رهائن في لبنان. أمريكا التي كانت تعلن حيادها وتدعم العراق علناً، كانت في الخلف تضخ السلاح لإيران لإطالة أمد الحرب. لماذا؟ لأن الحرب الطويلة تعني استنزاف القوتين العسكريتين العربية (العراق) والفارسية (إيران)، وزيادة مبيعات السلاح من الغرب للطرفين، وتعطيل أي تنمية في المنطقة. إسرائيل شاهدت بصمت وسرور جيشين كبيرين يلتهم أحدهما الآخر. أما أمريكا، فباعت أسلحة بمليارات الدولارات للجانبين، وفرضت وجودها العسكري في الخليج تحت ذريعة «حماية الملاحة». هذه كانت أول خدمة أمريكية خفية لتمكين إيران كـ»عدو وظيفي».
ثم جاء الاحتلال الأمريكي للعراق 2003. هنا تحول الدعم من خفي إلى ظاهر بشكل مذهل. أمريكا، بعد أن أطاحت بنظام صدام السني، فتحت أبواب بغداد على مصراعيها للنفوذ الإيراني. لم تقم واشنطن بأي جهد حقيقي لمنع الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران من السيطرة على الدولة الجديدة. بل على العكس، سلمت أمريكا العراق إلى حكومات شيعية موالية لإيران، وانسحبت تاركة فراغاً هائلاً. الاتفاق النووي الإيراني في عهد أوباما (2015) كان ذروة الدعم الأمريكي الظاهر: رفع العقوبات، وإطلاق أكثر من 100 مليار دولار من الأموال المجمدة، والاعتراف العملي بمنطقة نفوذ إيرانية في العراق وسوريا ولبنان. كل هذا كان تحت شعار «منع السباق النووي»، لكن النتيجة الفعلية كانت تمكين إيران من تمويل وكلائها في أربع عواصم عربية: بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء.
هذا الدعم المزدوج (الظاهر كدبلوماسية، والخفي كتنسيق استخباري في حرب العراق ضد داعش) جعل من إيران «شرطي المنطقة» المجاني. كل صاروخ أطلقه الحوثيون، وكل قنبلة زرعها حزب الله في لبنان، كان يخدم السردية الغربية بأن الشرق الأوسط بحاجة لوصاية أجنبية. لكن من منظور إسرائيلي، كانت الفوائد أعظم: إيران حوّلت بوصلة الصراع من «عرب ضد إسرائيل» إلى «شيعة ضد سنة». الجيش السوري الذي كان يشكل تهديداً لجبهة الجولان دُمّر في حربه الأهلية. لبنان تحول إلى دولة فاشلة. إسرائيل لم تتعرض لأي حرب وجودية من أي جيش عربي منظم طوال هذه الفترة. واستطاعت إنهاك المنظومة العربية هذا هو الإنجاز الصهيوني الحقيقي، وقد حققته إيران لأعدائها مجاناً.
أما ما ستربحه أمريكا من كل هذا، فثلاثة أضعاف. أولاً، اقتصادياً: مبيعات سلاح خيالية لمواجهة «الخطر الإيراني». ثانياً، بعد أن أضعفت أمريكا إيران عبر العقوبات وضرباتها المباشرة، تستعد الآن لمرحلة جديدة: إعادة الإعمار تحت هيمنتها الكاملة. واشنطن ستخرج بصفقتين: التواجد القوي في مناطق النفط والغاز في شرق المتوسط، وإعادة بناء العراق وسوريا بشركاتها طبعا، وعقد المزيد من الصفقات مقابل الحماية الأمنية.
والأهم هو إبعاد شبح الصين وروسيا عن المنطقة. الصين كانت تحلم بممرات اقتصادية ضمن «الحزام والطريق» تمر عبر العراق وسوريا ولبنان. لكن الحرب الطائفية التي أشعلتها إيران، وتدمير سوريا، وعدم استقرار العراق، قضت على أي حلم صيني قريب بوجود آمن في قلب المنطقة. روسيا تدخلت في سوريا لإنقاذ النظام، لكنها غرقت في مستنقع كلفها كثيراً، والآن مع تراجع الدور الإيراني وعودة الهيمنة الأمريكية، سيكون على موسكو إما الانسحاب أو المواجهة. أمريكا، بفضل الفوضى الإيرانية، تخلصت من منافسيها دون أن تطلق رصاصة عليهم.
أما ورقة مضيق هرمز، فراهنت إيران عليها طويلاً لابتزاز العالم. لكن هذا التهديد نفسه كان السلاح الذي استخدمته أمريكا لفرض تواجد عسكري دائم، ولبناء «التحالف الملاحي» مع إسرائيل ودول الخليج، ولإقناع الصين والهند بأن أمن طاقتها مرهون بحماية أمريكية. بدلاً من أن تكون الورقة رابحة لإيران، تحولت إلى ذريعة لتعزيز الهيمنة الأمريكية. والآن، مع تطور قدرات إسرائيل وأمريكا على ضرب أي منشأة إيرانية، ومع بدائل الطاقة الخليجية، أصبح تهديد هرمز أقل فعالية، بينما بقيت أمريكا المتحكمة الوحيدة.
الخلاصة: إيران، بحساباتها الخاطئة ونرجسيتها الفارسية، قدمت لإسرائيل وأمريكا هدية العمر: إشغالها بحروب طائفية، وإفقارها. أمريكا مهدت لذلك بدعم ظاهر (الاتفاق النووي، رفع العقوبات، الاعتراف بنفوذ إيران) وخفي (إيران-كونترا، التنسيق الاستخباري، السماح بتمديد الميليشيات). الآن، بعد أن أدت إيران دورها، بدأت عملية «تقليم الأظافر» بضربات مباشرة. أمريكا ستخرج معززة: هيمنة متجددة، منافسون مطرودون، أسواق لإعادة الإعمار، وإسرائيل أقوى من أي وقت مضى. أما الإيرانيون، فسيظلون يتساءلون: كيف خدمنا عدونا دون أن نشعر؟ والإجابة: لأنكم صدقتم أنكم أمة مختارة، فكنتم أداة لغيركم.