د. محمد بن إبراهيم الملحم
سعدت الأسبوع الماضي بالاستماع إلى حديث جميل من سعادة السفير مصطفى آل الشيخ مبارك والذي كان سفيراً في إندونيسيا وقبلها في كل من كندا وتركيا، حيث ضمني به مجلس من مجالس أسرة آل الشيخ مبارك الكريمة بالأحساء، فتحدث في ذلك المجلس عن تجربته الجميلة في دعم تعليم اللغة العربية والاهتمام بها، وقدَّم لمن كانوا في ذلك المجلس العامر الطيب مشاهداته للجهود العظيمة التي حفلت بها دولة إندونيسيا وشعبها الكريم في هذا المجال، كما قدَّم لنا أيضاً نبذة عن جهود رائعة ومخلصة قام بها سعادته في التوسط لدعم بناء مراكز لتعليم اللغة العربية في إندونيسيا وكذلك جهوده المباركة لدينا في المشاركة في تأسيس منصة إتقان لتعليم العربية من خلال جمعية خيرية سعودية ثم شركة غير ربحية، كما أشار إلى مبادرات منظمة الآيسيسكو في الرباط في التركيز على اللغة العربية من خلال نشر تدريب المعلمين على بيداغوجيات تدريس العربية بكفاءة وعقد اللقاءات وإجراء الدراسات.
وبالنسبة لي فهي أول مرة أتعرَّف فيها على هذا الزخم الكبير والهائل الذي تشكَّل في دولة إندونيسيا عبر سنوات عديدة من أجل تعليم وتعلم اللغة العربية، بل أكثر من ذلك فقد ذهبوا بعيداً، إذ بات التحدث بالعربية مصدر فخر واعتزاز وعلامة نخبوية أحياناً، تماماً كما ننظر نحن (طبعاً مع شديد الأسف) لمن يتقنون اللغة الإنجليزية! بل إن هناك جامعات مثل جامعة مالك بن إبراهيم Universitas Islam Negeri Maulana Malik Ibrahim Malang وجامعة UIN الحكومية يتم التدريس فيها بالكامل باللغة العربية في التخصصات الدينية والتاريخ وبالطبع تخصص اللغة العربية. لقد تحدث لنا سعادة السفير مشكوراً بإسهاب عن مراكز ومعاهد مؤسسة كانتور التعليمية Pondok Modern Darussalam Gontor وهي مؤسسة تعليم إسلامي داخلية بدأت توسعها عام 1926 واليوم تضم شبكتها تقريبًا 20 إلى 25 معهداً داخل إندونيسيا أغلبها ثانويات بنظام السكن الداخلي وهناك قرابة 40 إلى 50 ألف طالب وطالبة في جميع المدارس وجزء كبير المعلمين هم خريجو كانتور لتضمن المؤسسة أنهم يعملون ضمن ثقافتها التي أصّلتها عبر مدة من الزمن، وهي ثقافة نموذجها قريب من «التعليم الشامل المقيم»، حيث يعيش الطالب داخل الحرم فيتعلَّم اللغة العربية طوال اليوم من خلال التركيز الكبير على اللغة العربية، فالحديث في هذه البيئة يجب أن يكون بالعربية أغلب الوقت كما أنه بالإضافة إلى التدريس المكثف والممتاز للغة العربية تحدثاً وفصاحةً نحوية وأدباً وبلاغة فإن المواد الأخرى الدينية وذات العلاقة كالتاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية يتم تدريسها للطالب باللغة العربية، كما تهتم هذه المدارس ببناء الشخصية من خلال الانضباط والاستقلال والقيادة، حيث الطلاب أنفسهم يديرون أنشطة ويقودون مجموعات ويتحمّلون مسؤوليات يومية، وهذه المدارس مدعومة بالتبرعات والدعم المجتمعي والأوقاف.
هذا الحديث دعاني إلى الإبحار أكثر للتعلّم حول الاهتمام الإندونيسي باللغة العربية واحترامها وتقديرها، لأجد أن من العلامات القوية على رسوخ العربية في إندونيسيا وجود جمعيات مهنية متخصصة، وأبرزها IMLA، وهو اتحاد مدرسي ومحاضري العربية في إندونيسيا، وله موقع رسمي ونشاط تنظيمي وطني ومجلة علمية ومؤتمرات وشبكات تعاون داخلية وخارجية، واحتفالهم بيوم اللغة العربية العالمي ليس شكلياً، بل يرفع المكانة الرمزية للعربية، ويجمع الشبكات العلمية العاملة فيه. كما أن هناك منافسة أولمبياد بهاسا للعربية OBA (Olimpiade Bahasa Arab) وهو أولمبياد وطني بكل مراحله المحلي والإقليمي ثم الوطني، وتشارك فيه مختلف المدارس الحكومية الدينية. كما توجد شراكات أكاديمية بين جامعات إندونيسية ومؤسسات عربية، مثل التعاون بين UIN Jakarta وLIPIA في تطوير العربية، وكذلك برامج مثل برنامج شهر اللغة العربية Arabic Language Month التي دعمتها أكاديمية الملك سلمان العالمية للغة العربية بالشراكة مع جامعات في جاكرتا ومالانغ.
وعلى الرغم من أن أكبر مؤسسة مهتمة بتعليم الدين واللغة العربية وهي كانتور أسسها ثلاثة إندونيسيين من جاوة إلا أنه لا يمكن إغفال تأثير حركة العرب الحضارم في إندونيسيا Hadrami والذين تواجدوا في إندونيسيا منذ قرون وازداد تواجدهم في القرن 19 مستقرين في كل من جاوة وسومطرة ليعملوا كما هو معروف في التجارة والدعوة والتعليم فانتشر الإسلام في هذه الجزر من خلالهم، ولكنهم مع ذلك أنشأوا كيانات تعليم عربية منظمة مثلت نقطة تحول ثقافية كبرى فأسسوا في جاكرتا عام 1905 جامعة خير Jamiat Kheir والتي هي من أوائل المدارس الحديثة، حيث نظام الفصول والمناهج المنظمة مع التركيز على اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ثم أسسوا عام 1914 جامعة الإرسياد الإسلامية Al Irsyad Al Islamiyyah والتي اهتمت كثيراً بتعليم العربية بشكل مباشر وتقليل الاعتماد على الطرق التقليدية (مثل حفظ النصوص دون فهم)، وهكذا فإن الحضارم أكدوا مبكراً في المجتمع الإندونيسي أن العربية لغة القرآن والعلم و»النخبة» مما أثمر عن نشوء ما يمكن أن نسميه «هيبة لغوية» وتشكّل رغبة اجتماعية في تعلمها.
هذا الاهتمام الكبير الشامل باللغة العربية في دولة إندونيسيا لا يفرحنا فقط، بل هو أيضاً يخجلنا في نفس الوقت خاصة عندما نتذكر أن هناك مواقف شهدناها جميعاً في مؤتمرات أو ملتقيات يكون الحديث فيها بالإنجليزية طوال الوقت والمتحدثون عرب، بل سعوديون أيضاً كما أن المستمعين كذلك باستثناء فئة قليلة من الأجانب يتم تطويع كامل المناسبة من أجلهم. ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن تدريس اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا لا يرتقي إلى المستوى المرموق الذي يليق بهذه اللغة، بل إن رسوب طالب في إحدى مواد اللغة العربية يكون محل استنكار شديد على المعلم فكل شخص يفترض (مع الأسف) أن من يتعلّمها يجب أن يحصل على علامة نجاح سواء أتقنها أو لم يتقنها، فلا ينظر لها باعتبارها مادة أساسية كما هو حال المواد الأخرى التي تعتمد عليها موضوعات المهن المهمة كالطب والهندسة والمحاسبة والمحاماة وما إلى ذلك. شكراً لسعادة أخي السفير لهذه الإضاءة المهمة والجميلة وشكراً إندونيسيا لاهتمامكم بلغتنا ونتطلع إلى نهضة لغوية استثنائية لدينا.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً