عبدالعزيز صالح الصالح
في هذا الكون الواسع الممتد بلا حدود، تنعم فيه الرؤى، وتضيع فيه المسافات وتتوه فيه الأرقام، وتبطل فيه الاتجاهات، ويختلط فيه الزمان بالمكان، لكل قيمة أو خصلة حميدة في هذا الحياة ضد أمور سلبية.. الفاصل بينهما عبارة عن شعرة دقيقة لا يراها إلا الإنسان السّوي فإن غابت بصيرته وقع في المحظور، فإن النزعة البشريَّة يغلب عليها مطامع الدنيا وجشعها مما تدفع المرء للحصول على المال سواء بالحق أو الباطل.. ليس فقط الشركاء أو عامَّة النَّاس.. حتى مع الأخوة والأقارب.. وبين الوالد وبنيه، فلو أنصف كل إنسان من نفسه، لسعد المرء في هذه الحياة، فالذي يرى ما في دور المحاكم من قضايا متعدِّدة ومتنوَّعة الدّعاوي تضيق بها ساحات المحاكم.. ومكاتب القضاة، كل يوم وكل شهر وكل عام، وذلك بسبب الاختلاف بين عامَّة البشر، فلو رجع المرء إلى الوراء قليلاً فإن ذاكرة التَّاريخ ستذكرك بالعدد من الوقائع التي تتحدث عن سيرة هؤلاء الرِّجال الأفذاذ في صدر التَّاريخ الإسلاميِّ يروى أن الخليفة الأوَّل أبوبكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عيَّن الخليفة الثَّاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضياً على المدينة المنوَّرة.. لفترة من الوقت فمكث الفاروق عمر سنة واحدة لم يفتتح جلسة قضائية بين اثنين متخاصمين فطلب من الخليفة الأوَّل إعفاءه من منصب القضاء! فقال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه: أمن القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟ فأجاب عمر رضي الله عنه قائلاً: (لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين قد عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه.. أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه إذا غاب أحدهم تفقدوه.. وإذا مرض عادوه.. وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه.. دينهم النصيحة.. وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففيمَ يختصمون؟).
وكان الصدق سائداً بين الأمَّة في عهد الخليفة الأوَّل والخليفة الثاني، فكان النَّاس لا يحتاجون إلى قاضٍ في تلك الحقبة الزمنية أما في عصرنا الحاضر فأصبح الناس لا يلتزمون مع الأسف الشديد بالصدق حتى مع أنفسهم، كما قال الشاعر الحكيم:
الصادقون يتامى في مدينتنا
في جيلنا يمضغون اليأس والألما
الصادقون وهم في الأدب قافلتي
وإن حصدت الضباب المر والسأما
نبني على شرفات الغيب أغنية
تبقى ونذهب في جفن المدى حُلما
فقد أصبح الصادقون في عصر ملؤه الكذب والخداع والغش والبهتان والمماطلة وأكل أموال البعض من البشر بدون حق إلى جانب التحايل ظلماً وعدواناً!
ويقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} (119) سورة التوبة. وقال تعالى: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} (21) سورة محمد. وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه).
والله الموفِّقُ والمعين.