د. طلال الحربي
في زمن باتت فيه الهواتف الذكية تحمل بين طياتها بنوكاً ومستشفيات ومحاكم وسفارات، ويتمكَّن المواطن من إنجاز معاملاته الحكومية الأكثر تعقيداً بضغطة إصبع دون أن يغادر مقعده، يبدو مشهداً غريباً بعض الشيء أن تُستقبَل محاولة إتمام خدمة تجارية بجملة باتت مألوفة لكثيرين: «هذه الخدمة غير متاحة حالياً عبر الأجهزة الذكية، يرجى استخدام أجهزة الكمبيوتر للاستفادة منها.»
جملة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها مفارقة كبيرة.
المركز السعودي للأعمال، ووزارة التجارة، والمركز السعودي للتنافسية، جهات تحمل على عاتقها مهمة جوهرية في منظومة التحول الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال، وقد أسهمت بلا شك في قطع أشواط مقدَّرة على طريق تبسيط الإجراءات وتذليل العقبات أمام المستثمر والمواطن على حدٍّ سواء. غير أن الوقوف عند عتبة الكمبيوتر الشخصي شرطاً للوصول إلى بعض الخدمات يظل نقطة ضعف تستحق الوقوف عندها بصراحة، لا تجاملاً ولا تجريحاً، بل لأن الطموح الذي رسمته رؤية المملكة 2030 لا يقبل بأنصاف الحلول.
الهاتف الذكي اليوم ليس وسيلة ترفيه ولا أداة اختيارية يلجأ إليها بعض الناس، بل هو الشريان الرئيسي الذي تسري عبره الحياة اليومية لملايين المواطنين والمقيمين والمستثمرين. وكثير ممن يحتاجون إلى إنجاز معاملة تجارية لا يجلسون خلف مكتب مجهَّز بحاسوب، بل ربما هم في طريقهم إلى اجتماع، أو في محطة انتظار، أو في مدينة بعيدة يحملون فيها هاتفهم وحده رفيقاً ومكتباً وبوابة للعالم. أن يُقال لهم في تلك اللحظة «عودوا إلى الكمبيوتر»، فهذا في حقيقته ليست رسالة تقنية، بل هو توقف في منتصف الطريق يكاد يُلغي كل الجهد المبذول قبله.
والأكثر من ذلك أن جهات أخرى تتعامل مع بيانات وإجراءات بالغة الحساسية، من خدمات أمنية و صحة ومال وقضاء وتأشيرات، نجحت في تقديم خدماتها كاملةً عبر الجوال دون نقصان. وهذا يُثبت أن المسألة ليست تعقيداً تقنياً عصياً، بل هي في جوهرها قرار وأولوية.
إن تحسين بيئة الأعمال لا يُقاس فقط بعدد التراخيص الممنوحة أو الإجراءات المختزلة، بل يُقاس أيضاً بتجربة المستخدم في تلك اللحظة الحاسمة حين يمد يده نحو هاتفه باحثاً عن حل. فإذا كانت تلك اللحظة تُقابَل بعائق، فإن الانطباع الذي يتشكل في ذهن المستثمر سواء كان سعودياً أو وافداً يبحث عن فرصة في هذا السوق الواعد، لا يمحوه بيان أو إنجاز لاحق بسهولة.
من هنا، يبقى الأمل معقوداً على معالي وزير التجارة وعلى قيادات هذه الجهات أن تضع على رأس أولوياتها المرحلة القادمة استكمال هذا البناء، وأن تُصبح جميع الخدمات دون استثناء متاحةً عبر تطبيقات الهاتف الذكي بكفاءة وسلاسة. ليس لأن ذلك مطلوب فحسب، بل لأن المملكة التي حققت بفضل قيادتها الرشيدة قفزات نوعية في مسيرة التحول الرقمي تستحق أن تكتمل هذه الصورة في كل تفصيلة صغيرة، ولأن المستثمر الذي نسعى إلى استقطابه يرى في سهولة الخدمة قبل أي شيء آخر مؤشراً على جدية بيئة الأعمال وجاهزيتها.
لقد قطعنا شوطاً بعيداً، ولا نرضى بأقل من الأفضل دائماً.