وائل العتيبي - جدة:
في لحظة ثقافية تتجاوز حدود الاحتفاء التقليدي، أسدل الستار على الدورة الثالثة عشرة من مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب، معلنًا عن حضور جيل جديد يعيد تشكيل اللغة البصرية العربية بثقة تتكئ على التعليم وتنفتح على العالم.
ثلاثة أيام حافلة في رحاب جامعة عفت تحوّلت خلالها جدة إلى منصة دولية تتقاطع فيها التجارب، وتتلاقى الرؤى، في مشهد يعكس التحول المتسارع الذي تشهده الصناعة السينمائية في المملكة.
منذ اللحظة الأولى، حمل المهرجان دلالات تتجاوز الأرقام، رغم ما سجله من مشاركة قياسية تجاوزت 2700 فيلم من مختلف دول العالم، بينها 70 عملاً سعوديًا، في مؤشر واضح على تصاعد حضوره الدولي وتحوّله إلى نقطة جذب للمواهب الشابة.
هذا الزخم لم يكن مجرد حضور كمي، بل ترجمة حقيقية لنضج إبداعي يضع الطالب في قلب الفعل السينمائي، لا على هامشه.
وأكدت نورة بنت تركي الفيصل خلال الافتتاح أن ما يقدمه الجيل الجديد يعكس تحولًا نوعيًا في الوعي، حيث أصبحت السينما أداة للتعبير عن الهوية بوعي معاصر يجمع بين الخصوصية المحلية والطموح العالمي. فيما رأت هيفاء جمل الليل أن مخرجات هذه الدورة تعكس بيئة تعليمية قادرة على تحويل الشغف إلى ممارسة احترافية، عبر دعم حقيقي للإبداع وتكامله مع متطلبات الصناعة.
وفي قراءة أعمق للمشهد، أشار الدكتور محمد غزالة إلى أن المهرجان تجاوز كونه مساحة عرض، ليصبح مختبرًا عمليًا يختبر فيه الطلبة أدواتهم، ويطوّرون خطابهم السينمائي بعيدًا عن القوالب الجاهزة، ما يعزز من حضورهم في المشهدين الإقليمي والدولي.
جاءت نتائج المسابقات لتجسد هذا التنوع، حيث لفت فيلم «ليلة الشهب» الأنظار بحصوله على جائزتي أفضل فيلم رسوم متحركة سعودي وأفضل فيلم عن الثقافة السعودية، لما قدّمه من معالجة بصرية مبتكرة. وفي فئة الأفلام السعودية، توّجت المخرجة الجين سلام بجائزة أفضل فيلم عن «صرخة نملة»، بينما نالت دانا القدهي جائزة أفضل طرح ثقافي عن فيلم «من تراب».
وفي مسار الفيلم الوثائقي، برز اسم عبدالله القرني بفيلمه «أثرنا خالد»، فيما حصد فيلم «انبعاث» للمخرج أحمد علي نجمة تقديرًا لقراءته البصرية للهوية الثقافية.
وعلى الصعيد الدولي، توزعت الجوائز بين أعمال من نيبال وفرنسا، في دلالة على اتساع أفق التبادل الثقافي داخل المهرجان.
لم يقتصر الحدث على المنافسة، بل شكّل مساحة لقاء حي بين الطلبة وصنّاع التجربة. وفي هذا السياق، جاء تكريم النجم أحمد حلمي بوصفه ضيف شرف الدورة، تقديرًا لمسيرته الفنية، إلى جانب تكريم عبدالمحسن النمر، في خطوة تعزز الربط بين الخبرة والتجربة الناشئة.
وشمل التكريم كذلك عددًا من الخبراء الدوليين المشاركين في الورش، تقديرًا لدورهم في نقل المعرفة وتوسيع آفاق التعلم التطبيقي، بما يعمّق من تجربة الطلبة ويمنحهم أدوات أكثر احترافية.
في مجملها، لم تكن هذه الدورة مجرد فعالية فنية، بل محطة تعكس تحوّلًا أعمق في بنية المشهد الثقافي السعودي، حيث تتقاطع المؤسسات الأكاديمية مع الصناعة، ويتحوّل الطالب من متلقٍ إلى صانع محتوى يمتلك أدواته ورؤيته.
ويواصل مهرجان عفت السينمائي الدولي ترسيخ مكانته كمنصة إستراتيجية تدعم الإبداع، وتبني جسور التعاون بين التعليم والإعلام، في انسجام واضح مع مستهدفات التحول الثقافي ضمن رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد السينما مجرد شاشة تُعرض عليها الحكايات، بل مساحة تُصنع فيها.