ليس هنالك أقسى وأشد ألماً على القلوب من ألم الفقد والرحيل إلى الدار الآخرة، وما الحياة الدنيا إلا محطة مؤقتة عابرة وفانية وليست دار خلود أو مستقر، وإن الموت قضاء الله وقدره المحتوم كتب على جميع الخلق، ولا يتقدم الأجل ولا يتأخر. والتسليم بهذا القضاء، والرضا به، والصبر عند المصيبة هي صفات المؤمن، مع الإيمان بأن الآجال بيد الله وحده، لأن الموت حق لا ريب فيه، وكل يوم نودع راحلاً ونعزي في فقيد ونرى الموت يقتاده ولا يفرق بين صغيراً ولا كبيراً، ولا بين سليماً أو مريضاً وكل شيء عنده بأجل مسمى، ولا راد لقضائه وقدره،
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا).
إلا أن فقدان الأحباب من الأقارب والمعارف والأصدقاء الأعزاء هو الاختبار الأصعب على القلوب، لانهم يجعلون للموت وقعاً مؤلماً وحدثاً مذهلاً، يبقى أثره لفترات طويلة. ويترك ندوباً في النفس ترهق القلب، خاصة عندما يكون الراحل رفيق درب وصديق عشرة تجاوزت خمسة وثلاثين عاماً، إنه الفقيد الغالي صديق العمر عبدالمجيد بن محمد الماجد الذي تلقيت نبأ وفاته ببالغ الحزن والأسى في اليوم الأول من شهر أبريل 2026, فكان خبراً مفجعاً ومؤلماً ولكن هكذا رحلة الحياة الدنيا تجمع وتفرق، وقد نحظى بالكثير من الأصدقاء، لكننا لا نختار بقلوبنا إلا القلّة الذين يشكلون بوصلة في حياتنا.
حين يرحل الصديق العزيز، نحن لا نفقد مجرد شخصٍ شاركنا الأيام، بل نفقد مرآةً كنا نرى فيها أجمل ما في أنفسنا، وصوتاً كان يملأ صمت عُزلتنا بالحكمة والمودة والنخوة والمواساة وتحديداً وقت المواقف والظروف العصيبة.
لذلك إن الفراغ الذي يتركه رحيل صديقٍ صدوقٍ لا يملؤه حضور الآخرين، فهو أشبه بانتزاع جزءٍ من ذاكرتنا المشتركة، وطيّ صفحةٍ من كتاب عمرنا كان يُقرأ بابتسامةٍ ووفاء. إن هنالك الكثير من خساراتٌ الدنيا يُمكن تعويضها، وأخرى يصعب تعويضها وتتركُ في النفس ثقباً لا يلتئم. فقدُ الصديق الذي كان له في أفئدتنا حباً وتقديراً، ويمثل لنا وطناً صغيراً.
هو أقسى أنواع الرحيل. لم يكن مجرد رفيقِ درب، بل كان ملاذنا حين تضيق الدنيا بما رحبت. اليوم، ونحن نكتب عن هذا الغياب، لا نكتب عن الموت، بل نكتب عن بقاء أثرٍ حيٍ في قلوبنا، وعن ضحكاتٍ باتت صدىً في جدران بيتي ملتقى الأصدقاء، وعن فراغٍ صار اليوم هو الحضور الأكبر في تفاصيل يومنا.
«حين يغادرنا صديقٌ عزيز، يتغير لون العالم في أعيننا ولو قليلاً؛ فكل زاويةٍ في هذا المكان تذكرنا بكلمةٍ قالها، أو موقفٍ جمعنا به، أو مبادرته الحانية. تلك العلاقة الوطيدة تجسد أن الصداقة الحقيقية ليست مجرد تقاطع دروب، بل هي تلاحم أرواح، وحين يرحل أحد الطرفين، يظل الآخر معلقاً بذاكرةٍ تأبى النسيان، لأنه يرحل جسداً، ويبقى عبق ذكراه عالقاً في تفاصيل الأيام، لكن الفقد حين يطال صديقاً شاركك تفاصيل الحياة لخمسة وثلاثين عاماً، لا يعود مجرد حزن عابر، بل هو انكسار في الروح وغصة لا يداويها إلا الرضا بقضاء الله وقدره.
خمسة وثلاثون عاماً مرت كأنها طيف خيال، كانت كفيلة بأن تجعل من الصديق أخاً لم تلدّه الأم، رفيقاً في الشدة قبل الرخاء، وسنداً في الملمات فقدتُ اليوم من كان يجمّل مجلسي بدماثة خلقه وذوقه، وبنخوته وشهامته التي لم تكن تعرف الحدود.
لقد كان الفقيد الغالي -رحمه الله- صاحب سجايا فاضلة ودماثة خلق عالية، فمن عرفه لن يجد فيه إلا الصدق في القول والوعد، فهو كعادته شهم (قول وفعل) وكريم بهداياه وبوقته، وبنصحه الذي كان يغلفه دوماً بابتسامة الصافية التي لا تغيب من محياه.
كم هي قاسية تلك اللحظة التي تلتفت فيها لتستحضر أجمل ذكريات الحياة، فتجد أن من شاركك إياها قد رحل إلى دار البقاء. نتذكر مواقف النبل التي وقفها معي طوال ظروفي الصحية التي أستمرت لسنوات عدة، وعلى الرغم من مسؤولياته وسفرياته والضغوط العملية بحكم طبيعة عمله ومنصبه كوزير مفوض في وزارة الخارجية، إلا نبله ونخوته تجعله وفياً مخلصاً لا يتغير ويحرص دوماً على الوصل والزيارات المتكررة في المستشفى والبيت والسؤال الدائم والاطمئنان من داخل المملكة وخارجها، وكان كعادته يغمرني بوافر لطفه وكرمه.
وكلماته الطيبة المحفزة، واهتمامه في خدمة ومساعدة الناس بكل ذوق ورحابة صدر حتى ارتبطت كلمة (سم وأبشر) على لسانه (خدوم ومقدام وراعي بشائر خير) الله ببشره بالجنة ويحتفي به من فوق سبع سماوات ويجعل ما قدمه من مبادرات كريمة اجتماعية وإنسانية رفعةً وأثراً طيباً ومباركاً له ولوالديه وذريتهم في الدنيا والأخرى.
إننا لم نفقد شخصاً عادياً، بل فقدنا رمزاً من رموز الأخلاق العالية والوفاء والعشرة الطيبة.
إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا «يا أبي جود «لمحزونون، اللهم أنزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور، وثبت على الصراط أقدامه واجعله في نعيم مقيم، واجمعنا به في جنات النعيم على سرر متقابلين.. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).
** **
- عبدالرحمن بن عبدالله المنقاش