لم يكن رحيل شيخة أمراً عابراً تمر به الأيام فتطويه؛ بل كان فقداً عميقاً هزّ أركان القلب، وأوجع الروح وجعاً لا يبرأ. فقد رحلت شقيقة الروح؛ تلك التي لم تكن مجرد أخت تربطني بها صلة دم، بل كانت قطعةً من وجداني، ونبضاً يسكن في داخلي، يشاركني الشهيق والزفير. إن المصاب في فقدها لا تجبره الكلمات، والحنين إليها أصبح بحراً لا شواطئ له؛ غاب الوجه الذي كان يمنحني الطمأنينة بمجرد النظر إليه، وانطفأ السراج الذي كان ينير عتمة أيامي.
كانت قريبة مني بطريقة يعجز اللسان عن وصفها؛ تفهمني قبل أن أتحدث، وتشعر بضيق صدري دون أن أشرح. كانت هي الملاذ والملجأ -بعدالله- في لحظات الضعف، والسند المتين في الأوقات الصعبة، وشريكة الروح التي لا تميل وإن مال الزمان. معها، كان كل حمل ثقيل يبدو أخف، وكل حزن يمر سريعاً كأنه لم يكن؛ فقد كانت تمتلك تلك القدرة الربانية العجيبة على تحويل مرارة الأيام إلى صبر جميل، بكلمة طيبة أو ابتسامة حانية تمسح بها على قلبي.
عرفتها إنسانة نقية السريرة، صادقة المشاعر، لا تحمل في قلبها ذرة من غل، بل تفيض حباً وخيراً للجميع. كانت تزرع الفرح حيثما حلت، وتترك أثراً طيباً في نفس كل من عرفها، وكأنها نسمة باردة في يوم هجير. ابتسامتها لم تكن مجرد تعبير وجه، بل كانت كفيلة بأن تملأ القلب نوراً، وكلماتها كانت بلسماً يهدئ أعنف الجروح. حتى في أصعب لحظات تعبها، كانت صابرة محتسبة، لم تكن تشتكي، بل كانت هي المصدر الذي نستمد منه القوة والأمل في غدٍ أجمل.
رحلت شقيقة الروح بجسدها، لكن ذكراها لم ولن ترحل؛ فهي ما زالت تعيش في تفاصيل حياتي اليومية. أسمع صدى صوتها في ردهات المنزل، وأرى طيفها في مواقفنا المشتركة، وفي ضحكاتنا التي لا تزال أصداؤها تسكن أذني. غيابها مؤلم حدّ النزف، وفراغها لا يُملأ بألف شخص، لكن الحب النقي الذي زرعته في قلبي باقٍ بقاء النبض. إن الأماكن التي جمعتنا تنطق اليوم بذكرها، وكل زاوية تحمل حكاية من حكايا نقائها الذي لم أرَ له مثيلاً في هذا الزمان.
تعلمت من رحيلها الموجع أن الأرواح الجميلة لا تختفي أبداً، بل تظل تحلق حولنا، وأن الأثر الطيب والذكر الحسن هما ما يخلّد الإنسان بعد رحيله عن هذه الدنيا الفانية. ستبقى دائماً حاضرة في دعائي وفي قلبي الذي لن ينساها، وفي كل سجدة أسأل الله فيها لها النعيم. سأظل أحمل أمانة حبها وذكراها في صدري ما حييت، وفاءً لتلك الروح التي أعطتني الكثير ولم تطلب شيئاً.
أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يرحمها رحمة واسعة تليق بكرمه، وأن يغفر لها، ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة ناعمة ضاحكة، وأن يجمعني بها في جنات النعيم؛ حيث لا فراق، ولا وجع، ولا دمع، وحيث اللقاء الأبدي السرمدي في جوار الرحمن الرحيم.
رحمكِ الله يا شقيقة الروح، وجعل ذكركِ نوراً لا ينطفئ في قلبي، وصبرنا الله على مرارة فقدكِ حتى نلقاكِ في دار المستقر.
** **
- عبدالعزيز بن سعود بن عبدالعزيز الماضي