في زقاق ضيق من أزقة مكة المكرمة، حيث كانت أضواء الفوانيس تلتهم الظلام وتفتح أبواب المعرفة، وُلدت قصة رجل لم تهبه الحياة شيئاً مجاناً، بل اشترى كل حرف تعلّمه بعرق جبينه وصبر قلبه. ذلك هو الدكتور محمد عبده يماني، ابن حارة «جياد» الذي خرج من رحم الفقر ليصبح أحد أعمدة النهضة في المملكة العربية السعودية.
طفل جبلته المشقة
أبصر يماني النور عام 1940م في ربوع مكة المكرمة، في أسرة بسيطة تنضح بالصلاح ولا تنضح بالثروة. كان والده رجلاً عادياً يتقن الأمانة، وكانت والدته أمية لا تعرف القراءة، غير أنها كانت تحمل في أعماقها يقيناً راسخاً بأن العلم هو السبيل الوحيد. تلك المعادلة الفريدة -أم أمية وحلم كبير- هي التي شكّلت وجدان الطفل الصغير وأذكت في روحه جذوة لم تخمد.
لم يكن يماني الصغير يعرف الترف ولا يألف الراحة. حمل قِرَب الماء على ظهره وباع ما فاض عن حاجته ليشتري كراساً أو قلماً، وسعى مع الحجاج يسقيهم ماء زمزم مقابل حفنة من القروش، كانت في عينيه ثمناً لحلم يسكن بين ضلوعه. لم يكن الكتاب يفارق يده حتى وهو يمتطي ظهر حمار يوصله بين المزارع والأسواق، وكأن العلم كان رفيقه الذي لا يطيق فراقه.
من أروقة الحرم إلى قاعات الجامعة
بدأت رحلته التعليمية على الأرض حرفياً؛ إذ تلقّى مبادئ القراءة والكتابة على يد نساء فاضلات أسّسن كتاتيب بلا مقابل ابتغاء وجه الله، وكنّ في صنيعهن هذا يُشعلن مصابيح لا يعلمن إلى أين سيُضيء شعاعُها. ثم انتقل إلى الحرم المكي الشريف ذلك الجامع المفتوح الذي لا تُغلق أبوابه، فحفظ القرآن وتشرّب الحديث النبوي، قبل أن تنتظمه مدارس الفلاح التي أتمّ فيها دراسته الأولى.
توّج مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة البكالوريوس في الجيولوجيا من جامعة الملك سعود عام 1963م، ثم أبحر نحو الولايات المتحدة الأمريكية حاملاً طموحه وشغفه، فعاد منها بالماجستير عام 1966م والدكتوراه في الجيولوجيا الاقتصادية عام 1968م، إضافةً إلى دبلوم في إدارة الجامعات. كان ابن مكة الفقير قد قطع المسافة من ماء زمزم إلى أروقة الجامعات الأمريكية بخطوات عزيمة لا تعرف التعثّر.
بانٍ في دهاليز المؤسسات
لم يكن يماني رجل علم فحسب، بل كان رجل بناء بالمعنى الأعمق والأشمل. حين تولّى قيادة جامعة الملك عبد العزيز بين عامَي 1973 و1975م، حوّلها من صرح أكاديمي منغلق على نفسه إلى رحبة ثقافية مفتوحة على المجتمع بأسره. أسّس كلية الطب وكلية الهندسة وكلية علوم البحار، وأنشأ أول مكتبة جامعية، ووضع حجر الأساس لفروع أكاديمية أصبحت فيما بعد جامعات قائمة بذاتها. بل إنه أوقف لجنةً لمسح آثار مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكأنه كان يصون ذاكرة الأمة كما يصون مستقبل أبنائها.
أما حين دخل وزارة الإعلام عام 1975م، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، فقد دخلها بعقلية المربّي لا بنزعة المسؤول. أطلق إذاعة القرآن الكريم، وفتح أمام المرأة أبواب الأثير، ومنح الصحفيين والمثقفين مساحة من الحرية لم يألفوها، وجلس مع موظفيه على الأرض يتناول معهم الفطور في مشهد لم يكن مألوفاً في دواوين الحكومات. كان يُدار من قلبه قبل أن يُدار من عقله.
عندما انتهت الوزارة.. بدأ العطاء الحقيقي
ما إن خلع يماني عباءة المسؤولية الرسمية حتى تجرّد لعمل أعمق وأبعد أثراً. طاف القارات وجاب الأدغال، وحلّ ضيفاً على الأقليات المسلمة في مناطق نائية لم تكن أصوات أهلها تبلغ أحداً. كان يحمل إليهم الطعام والدواء والمعلّمين، ويبني المساجد والمدارس، لا بحثاً عن صدى ولا استجلاباً لثناء، بل لأنه لم يكن يعرف كيف يكون إلا هكذا.
بل إنه لم ينسَ أن يوصي، قبيل رحيله، بأن يُنفَق ثلث ماله على المحتاجين من أرحامه والفقراء والأيتام والطلاب. لم يكن يماني يجمع الثروة ليخلّفها، بل كان يجمعها ليُفرّقها في مواطن الحاجة.
رحل يماني كما عاش؛ في خضمّ المعركة، وعلى حافة ما يؤمن به. كانت قضية تحفيظ القرآن الكريم هي ما أشغل آخر لحظاته، وحين رأى ما قد يُعرقل مسيرة هذه الجمعيات اعتصر قلبه قلق لم يحتمله جسد، فأسلم الروح إلى بارئها. وكأن الرجل لم يكن يستطيع أن يمضي بينما القرآن لم يُكمل انتشاره بعد.
يبقى محمد عبده يماني فصلاً من فصول الإرادة الإنسانية حين تتزاوج مع الإيمان والعلم؛ رجل خرج من شُحّ الحياة ليمنح بسخاء لا يُحدّ، وعاش بلا ادّعاء ليُخلّف أثراً لا يُمحى.
** **
عبدالعليم مبارك - كاتب وروائي مصري