كيف البقاءُ وباب الموت مُنفتحٌ
وليس يغلق حتى ينفد البشرُ
لا شك أن فقد الأخيار ومن لهم دور فعال في مجتمعهم من مُرَبِّينَ ومُعَلِّمِين له وقع مٌحزن في محيطهم الاجتماعي والتعليمي، ومن هؤلاء الاستاذ الفاضل محمد من عبدالله الداود -أبو عبد الله- والذي انتقل إلى رحمه الله يوم الخميس 6-11-1447هـ وتمت الصلاة عليه بعد صلاة الجمعة 7-11-1447هـ في جامع الحزم بمحافظة حريملاء وقد أدى الصلاة عليه جمعٌ غفيرٌ من أقاربه وزملائه وطلابه ومحبيه ثم وُورِي الثرى في مقبرة (صفيه) في أجواء حزن وأسى على رحيله:
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره
كباقي ضياء الشّمس حين تغيبُ
ولقد كانت ولادته في حريملاء عام 1367هـ وبعد بلوغه السن النظامية ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية وأكمل تعليمه حتى المرحلة المتوسطة، وبعد ذلك انتقل إلى الرياض ملتحقاً بمعهد المعلمين الثانوي وذلك في عام 1390هـ ونال الشهادة منه في عام 1393هـ، وتم تعيينه بعد ذلك مدرساً في مدرسة صلبوخ الابتدائية فترة من الزمن، ثم انتقل إلى مدرسه حريملاء الابتدائية حتى عام 1400هـ، بعد ذلك فُرّغَ لإكمال دراسته بالكلية المتوسطة آنذاك «كليه المعلمين» وذلك منذ عام 1400هـ إلى 1404هـ حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الاسلامية وكان -رحمه الله- طيلة دراسته في الرياض يذهب يومياً من حريملاء إلى الرياض، وذلك نزولاً عند رغبة والدته منيره بنت عبدالرحمن العجلان -رحمهما الله- حيث كان شديد البر بها وكان ملازماً لها ويسكن معها في منزلهم بحريملاء، ولعدم رغبتها بالذهاب والسكن في الرياض.
وبعد الانتهاء من الدراسة ونيل شهادة البكالوريوس تم توجيهه بالتدريس في مدرسة ابن عباس بالرياض لمدة سنة ثم عاد إلى حريملاء مٌعلماً في مدرسة خزيمة بن ثابت الابتدائية إلى أن تقاعد في عام 1427هـ.
خلَّفْت في الدنيا بيانًا خالدًا
(وربيّت) أَجيالاً من الأبناءِ
وغدًا سيذكرك الزمانُ، ولم يَزلْ
للدِّهرِ إِنصافٌ وحسنُ جزاءِ
وقد ظل رحمه الله إماماً لمسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحافظه حريملاء قرابة سبعه عشر عاماً إلى أن ترك الإمامة نظراً لظروفه الصحية، وكان شديد الحرص على الصلاة حتى في أشد حالات المرض حيث لم تمنعه معاناته من الذهاب إلى المسجد والصلاة مع الجماعة، وهذه من دلائل حسن خاتمته رحمه الله إذ كان آخر عهده بالمسجد صلاة العصر من يوم الاحد 2-11-1447هـ حيث غٌشي عليه بعد الانتهاء من الصلاة مباشرة ونقل من المسجد إلى المستشفى، ولم يفق بعدها حيث فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها مساء يوم الخميس 6-11-1447هـ.
قضيتَ حياة ملؤها البر والتقى
فأنت بأجر المتقين جديرُ
وقد عٌرف رحمه الله بكرمه وسخائه ومساعدته للمحتاجين والأقارب ومٌحباً للخير عطوفاً على الفقراء والمساكين وكافلاً للأيتام ومشاركاً في بناء المساجد وتفطير الصائمين وباراً لوالديه وحريصاً على صلة الرحم. ولقد كان لديه جلسة أسبوعيه مع إخوانه وأبنائهم ومن يحضر من أقاربه عصر كل جمعة في مزرعته يتبادلون أطراف الحديث والذكريات وما يتخللها من النصح والإرشاد وتذكيرهم بتقوى الله وصلة الرحم، وكان حريصاً على مشاركة الناس في أفراحهم بحضور مناسباتهم وفي أحزانهم بالصلاة على أمواتهم ومواساتهم.
وأَحسَنُ الحالاتِ حالُ امرِئٍ
تَطيبُ بَعدَ المَوتِ أَخبارُهُ
يَفنى وَيَبقى ذِكرُهُ بَعده
إِذا خَلَت مِن شَخصِهِ دارُهُ
ولي مع أبي عبدالله ذكريات جميلة وزيارات متبادلة ولا أنسى والده الفاضل عبدالله بن ناصر الداود -رحمهم الله- حيث كنا ونحن صغار إذا مررنا بجوار مزرعتهم في (سوق الجريد) يلاطفنا بالحديث والابتسامة تعلو محياه ويمنحنا من شماريخ النخل ألعاباً نلهو بها، ويقوم بحز طرفي الشمراخ ونسميها (صراقيع) حيث إنه مع إمالتها يميناً وشمالاً تحدث صوتا يطربنا معشر الصغار، وهذا من لطفه وتودده للصغار وإدخال السرور عليهم، رحمه الله.
تغمد الله الفقيد (أبا عبدالله) بواسع رحمته، وألهم أخويه عبدالعزيز وحمد وأبناءه وبناته وعقيلته أم عبدالله وأسرة الداود كافة ومحبيه جميل الصبر والسلوان.
هَنيئاً لَهُ قَد طابَ حَيّاً وَمَيِّتاً
فَما كانَ مُحتاجاً لِتَطيِيبِ أَكفانِ
** **
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف - حريملاء