مضى عامان على رحيل الصديق الصدوق، المؤرخ محمد بن سعد النهاري الصقري العبيدي القحطاني، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم الثالث والعشرين من شهر شوال عام 1445هـ، بعد مرضٍ أضناه وعزله عن الناس حتى وافته المنية.
لم أكن أتصوّر أن الدنيا ستبعدني إلى الأبد عن أعز أصدقائي بهذه السرعة، ولا سيما أن صحته في آخر عهدي به كانت جيدة، عدا ما لاحظته من تغيّر في المزاج، وحساسيةٍ في تقييم بعض المواقف، وميلٍ إلى العزلة خلال العام الذي سبق مرضه. ولم أناقشه في سبب ذلك الانقباض المفاجئ، ظنًّا مني أنه طارئٌ وسيزول.
ولكن هيهات.
ما أخبلك يا اللي تقول الليالي ما تدور
ما دريت إن الليالي قضت بك شانها
تعود معرفتي بالمؤرخ النهاري إلى منتصف عام 1431هـ، حين زرته في منزله العامر بحي العريجاء الجديدة غرب مدينة الرياض، استقبلني بحفاوةٍ بالغة، وكأنه يعرفني منذ زمن، وشدّ على يدي، وأنا آنذاك شاب يافع يحدوه الطموح ويعوزه الكثير من الخبرة في البحث وشؤون الحياة.
وحين اطّلع على مادة كتابي البكر (جاش عبق الماضي)، أثنى عليه بكلماتٍ ما زالت ترنّ في أذني، وكان حافزًا لي للاستمرار في هذا الطريق.
توالت اللقاءات والاتصالات، حتى أصبحت من خاصته، يفضي إليّ ببعض ما يجول في نفسه. وكنت أحرص على حضور مجلسه العامر، حيث يلتقي سُراة القوم وحملة القلم وعامة الناس، ممن يتعهدهم بالعطاء والشفاعة الحسنة، وهناك التقيت عددًا من الباحثين والمؤرخين.
كان منزله ملتقى للمهتمين بتاريخ قبيلة قحطان وتراثها، وكان متفانيًا في دعمهم؛ يقدّم لهذا، ويعين ذاك، ويسهم في طباعة ثالث، كل ذلك بسخاء نفس وطيب خلق.
ومن يتأمل سيرته يدرك أنه شق طريقه بعصامية؛ فقد نشأ في قرية بعيدة عن الأجواء الثقافية، فصنع ثقافته بنفسه عبر المجالس والروايات الشفهية، وقراءاته المتعمقة في الأنساب والتاريخ والبلدانيات.
وقد تجلّى هذا الجهد في كتابه الأبرز: «العرين بلاد قحطان ماضٍ وحضارة»، الذي حظي باهتمام واسع، حتى إن الشيخ حمد الجاسر كتب عنه مقالاتٍ نقدية في جريدة الرياض، أشاد فيها بالكتاب، مع ملاحظات علمية. وكان النهاري يذكر ذلك بفرحٍ واعتزاز، ولا سيما لما للجاسر من مكانة علمية رفيعة.
انشغل بعد ذلك بأعماله فترة، قبل أن يعود إلى التأليف، فأصدر عددًا من الكتب، من أبرزها:
- إمتاع القارئ بجمال الكلم وروائع الحكم.
- صفحات من تاريخ قبائل قحطان المعاصرة.
كما شارك في تحرير معجم البلدان والقبائل.
ومع ذلك، أخبرني في سنواته الأخيرة بعزوفه عن إكمال بعض مشاريعه البحثية، لأسبابٍ منها انشغاله وضعف الإقبال على الكتاب.
أقول بصدق: لقد اجتمعت في محمد النهاري خصالٌ حميدة؛ من كرمٍ ونخوة وصدق وأمانة، إلى صفاء السريرة وحسن الطوية. وكان يخفي معروفه، لكن الجميل لا يخفى:
يخفي صنائعه والله يظهرها
إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
رحم الله النهاري، وأجزل له المثوبة، وبارك في علمه وعقبه، ولا أملك له إلا الدعاء بظهر الغيب كلما ذكرته.
وداعًا أبا سعد... فالمصاب فيك جلل.
ووداعًا يا حي العريجاء، ففيك قصر النهاري، وذكرياتٌ تستدر الدمع.
وإذا مررت على الديار فقف بها
وأنشد لعينك عبرةً لا تنفد
** **
- مسعود بن فهد المسردي