د. عبدالحليم موسى
في قلب الصحراء الممتدة بلا نهاية، حيث تتلاقى الشمس والرمال في مشهد خالد من الحرية والوحشة، ولد علي بابا، ليس كشخصية أسطورية تروى للأطفال في ألف ليلة وليلة، بل كملك حقيقي من ملوك البجا السودانية، تلك القبيلة العريقة التي تسكن شرق السودان، وتحمل تاريخاً طويلاً من الصمود والمقاومة. ومن هذه القبيلة نفسها خرج في عصور لاحقة البطل عثمان دقنه، الذي خاض العديد من المعارك وانتصر فيها، وحطم خطة ما يعرف بالمربع الإنجليزي، حتى كتب عنه الإنجليز أنفسهم بإعجاب لشجاعته وبسالته في ميادين القتال، وهذا الامتداد التاريخي للمقاومة يكشف أنّ روح التحدي في أرض البجا ليست حادثة عابرة، بل جذور ضاربة في الذاكرة والوجدان.
كان علي بابا من الأعزاء في قومه، رجل قاوم الخلافة العباسية لأكثر من عشرين عاماً، محافظاً على استقلال قومه وكرامة شعبه، كما يحافظ الإنسان على قلبه وروحه من طمس الهوية، وقد ورد ذكره صراحة باسم ملك البجا في أحداث سنة 241هـ كما أورد ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ (ج2 ص232).
كانت البجا في تلك الفترة على مشارف الوثنية، ولم يدخل الإسلام بلادها المنعزلة في قلب الصحراء، وكانت أراضيهم صعبة الوصول، مفاوز وعرة بين الصحاري والجبال، مسافة تزيد على شهر بين أرض الإسلام وموطنهم. ويذكر ابن الأثير أنّ البجا أغاروا على أرض مصر بعد هدنة قديمة كانت قائمة، ثم امتنعوا عن أداء ما عليهم من نصيب المعادن، وقتلوا بعض المسلمين العاملين فيها، فهرب العمال، واشتد القلق في مصر، فرفع الأمر إلى الخليفة المتوكل (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2 ص232).
يشير ابن الأثير إلى أنّ المتوكل شاور في أمرهم، وقيل له إنّ بلادهم بعيدة وعرة، وإنّ الجيوش إذا دخلت مفاوزهم تحتاج زاد طويل، وإلا هلكت، وإنّ البجا أهل إبل وبادية، يصعب إخضاعهم، لكن لما زاد خطرهم على أهل الصعيد، واشتد أذاهم، ولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي حربهم، وأمده بالجند والمؤن، وجهز له الإمدادات بحراً، في سبعة مراكب محملة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق، لتوافي الجيش على ساحل البحر القريب من ديار البجا (ابن الأثير، ج2 ص232).
بلغ عدد الجيش نحو عشرين ألف بين فارس وراجل، ومع ذلك لم يكن الطريق ممهداً، بل كان اختباراً قاسياً لإرادة الإنسان قبل سلاحه، وحين اقترب الجيش من حصون البجا، خرج ملكهم علي بابا في جيش كبير أضعاف من مع القمي، يعتمد على الإبل التي تشبه المهاري، سريعة الحركة، تعرف الصحراء كما يعرف القلب نبضه.
وهنا تتجلى الحكمة قبل السيف، فقد ذكر ابن الأثير أنّ علي بابا لم يصدقهم القتال في بدايته، بل تعمد إطالة أمد المواجهة حتى تطول الأيام وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم بغير حرب مباشرة (ابن الأثير، ج2 ص232). هذه ليست مجرد حيلة عسكرية، بل فلسفة بقاء: أن تحمي شعبك بأقل تكلفة من الدم، وأن تجعل الزمن حليفك حين لا يكون العدد في صالحك، فالشجاعة هنا ليست اندفاعاً، بل وعي عميق بميزان القوة وحدودها.
ثم دارت الأيام، ووصلت إمدادات البحر إلى جيش القمي، فتغير ميزان الصبر، عندها طلب علي بابا الأمان، فأمنه القمي على أن يرد مملكته وبلاده، وأن يؤدي الخراج عن السنوات الأربع التي امتنع فيها. فقبل، وسار مع القمي إلى الخليفة المتوكل في بغداد، واستخلف على قومه ابنه بغش، كما يذكر ابن الأثير بالنص (الكامل في التاريخ، ج2 ص232).
ولما وصل إلى بغداد لم يعامل كمهزوم مكسور، بل كقائد شجاع. فقد خلع عليه الخليفة، وأكرمه، وكسا جمله رحل كليح وجلال ديباج. وبقي علي بابا على دينه، وكان معه صنم من حجارة كهيئة الصبي يسجد له، في مشهد يكشف أن التاريخ أعقد من صورة صراع أبيض وأسود، وأن الاعتراف بالشجاعة قد يسبق الاتفاق في المعتقد (ابن الأثير، ج2 ص232). في هذا الموقف بعد إنساني عميق، حين تنتصر الهيبة للشجاعة، لا للغلبة فقط، وكأن الحدث يهمس عبر القرون بأنّ القوة حين تقترن بالاحترام تترك في التاريخ أثراً أعدل من أثر السيوف، وكما ينسب إلى سقراط قوله: القوة ليست الحق، بل الحق هو القوة، وهي حكمة تتجلى حين يحفظ المنتصر كرامة خصمه الشجاع.
إنّ علي بابا في صورته التاريخية ليس بطل حكاية كنز ومغارة، بل بطل معنى؛ معنى الصمود، ومعنى التفاوض بعد المقاومة، ومعنى أنّ الكرامة يمكن أن تبقى حية حتى في لحظة الانكسار الظاهر، وابن الصحراء هذا يعلم البشرية درساً خالداً، يتمثل في أنّ الإنسان يستطيع تحويل الصراع إلى توازن، وأنّ حماية الروح تسبق حماية الأرض. وكما قال ابن خلدون: السلطان قوة والعقل قوة، ولا ينال المجد إلا بالمزيج بين الاثنين. وهذا ما تجسد في سيرة ملك البجا علي بابا كما حفظها لنا ابن الأثير في الكامل في التاريخ، فقد واجه وصابر وناور ثم صالح دون أن يمحو اسمه أو اسم قومه من سجل الكرامة.
غير أنّ المفارقة العميقة تكمن في الصورة التي خلّدتها الذاكرة الشعبية، حيث تحوّل علي بابا في حكايات ألف ليلة وليلة إلى بطل بسيط يعثر على مغارة الكنوز بكلمة «افتح يا سمسم»، ويواجه عصابة الأربعين حرامي، في سردية تميل إلى الخيال أكثر من التاريخ، وقد تكرست هذه الصورة النمطية لاحقاً عبر الأعمال الفنية وسلاسل المغامرات، خصوصاً في أفلام سندباد التي أعادت إنتاج الشرق بوصفه فضاء للعجائب والأساطير، حيث تختلط الحقيقة بالخيال، ويذوب الإنسان الحقيقي داخل قناع الحكاية. وهذه الصورة، على جمالها السردي، تخفي خلفها تحولاً عميقاً في الوعي؛ وهو كيف يتحول القائد التاريخي إلى رمز حكائي، وكيف يعاد تشكيل الذاكرة الجمعية لتبحث عن الدهشة أكثر من الحقيقة، وكأنّ الإنسان، عبر الزمن لا يكتفي بأن يتذكر، بل يعيد خلق ما يتذكره، ليصوغ بطولاته في قالب أقرب إلى الحلم.
ومن اللافت أن اسم علي بابا لم يبق حبيس التاريخ أو الأسطورة، بل امتد إلى العصر الرقمي؛ إذ اختار «جاك ما» مؤسس Alibaba Group هذا الاسم لمشروعه، مبرراً ذلك بأنّه اسم عربي مشهور وسهل النطق عالمياً، ويحمل دلالة على الثروة والكنوز في الذاكرة الشعبية.
هكذا تصبح قصة علي بابا معبراً بين عالمين؛ عالم التاريخ حيث الصراع والكرامة والتفاوض، وعالم الأسطورة حيث الكنز والمغارة والدهشة، وعالم الحاضر حيث يتحول الاسم إلى رمز اقتصادي عالمي، وبين هذه العوالم يقف الإنسان، حاملاً سؤاله الأبدي: هل نبحث عن الحقيقة في كتب التاريخ أم في الأساطير الإعلامية؟.