عبدالوهاب الفايز
ظلّت التنمية الاجتماعية في صميم اهتمام الدولة السعودية منذ فجر الوحدة، ووجود وزارة مستقلة للشؤون الاجتماعية يعكس حجم هذا الاهتمام. والآن مع التحولات المتسارعة لبرنامج التخصيص، وما يرافقه من تحديات اجتماعية مثل ارتفاع البطالة، وأهمية بناء شبكات الامن الاجتماعي تُعيد طرح السؤال بإلحاح: هل آن الأوان للعودة إلى وزارة متخصصة تتفرغ كلياً لهذا الملف؟
ومع اقتراب مرور عشر سنوات على انطلاقة رؤية 2030، يصبح استجلاء ما تحقّق في مجال الخدمات النفسية والاجتماعية واجباً إعلاميا، وأجدر مرجع لذلك تقارير المنظمات الدولية التي تتحرّى الموضوعية بعيداً عن الخطاب الرسمي.
فهذه المنظمات لا تكتفي بقياس البنية التحتية أو الناتج المحلي، بل تبحث فيما هو أعمق وأصعب قياساً: كيف تعاملت الدولة مع فئاتها الضعيفة، وكيف أعانت من هم عرضة للانكسار الاجتماعي والنفسي على العودة إلى دورة العمل والإنتاج، بدلاً من إبقائهم رهناء العطاء الدائم؟ وهل يشعر المواطن بأن الدولة توصل إليه حقوقه بكرامة وموثوقية، دون أن يضطر إلى التيه في متاهة الإجراءات؟
بهذا المنظور تحديداً تُقرأ الأرقام التي حققتها المملكة في مؤشرات التنمية الدولية خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تقدّمت للمركز 25 عالمياً في مؤشر الأداء الإحصائي للبنك الدولي، والمركز 38 في دليل التنمية البشرية للأمم المتحدة عام 2026. وهذا التقدم ليس نتاج مشاريع عمرانية أو نمو اقتصادي وحسب، بل ثمرة قرار فلسفي مركزه: الإنسان أولاً، لا الكفاءة المالية وحدها. وفي قلب هذا التحول يقف (صندوق الشهداء والمصابين والأسرى والمفقودين) شاهداً على ما تبلغه المؤسسة حين تُدار بمنطق التنمية المستدامة، لا بمنطق الإعانة والإعالة.
لم تكن إعادة هيكلة الصندوق وتشكيل مجلس أمنائه برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يحفظه الله، مجرد إجراء تنظيمي عابر؛ إنها بداية حقبة نوعية، ورؤية فكرية مختلفة جذرياً في تعريف الوفاء الحقيقي لأبطال الوطن. فتكريم (قيمة الشهادة والتضحية) لا يُعبَّر عنه بالدعم المالي وحده، بل بضمان أن تعود أسر الأبطال فاعلةً في بناء الوطن الذي ضحى آباؤها لأجله. وقد أنتجت هذه الرؤية منظومة خدمات تشمل التقنية الرقمية والتأهيل المهني والرعاية الصحية المتخصصة والمساندة التعليمية، وكل خدمة منها ذات أثر مباشر قابل للقياس في المؤشرات الدولية.
ولعل أبرز ما يُميّز النموذج السعودي (منصةُ شهم)، التي لم تكن مجرد بوابة إلكترونية طوّرت رحلة العميل، بل كانت تجسيداً لمبدأ استباقية الخدمة؛ عبرها الصندوق يتبادل بياناته مع الجهات ذات العلاقة ليُقدّم الخدمة قبل أن يطلبها المستفيد. وهذا التحول - من انتظار المستفيد إلى المبادرة إليه - يُعيد بناء الثقة المؤسسية التي تُعدّ ركيزة مباشرة في مؤشر السعادة العالمي، الذي احتلّت فيه المملكة المركز الـ22 عالمياً عام 2026. ذلك أن شعور المواطن بأن الدولة تسعى إليه ولا ينتظرها هو في حدّ ذاته رصيد في رأس المال الاجتماعي لا يقل قيمةً عن أي خدمة مادية مقدّمة.
وخلال السنوات الثلاثة الماضية طور الصندوق ما يقارب 47 برنامجا للرعاية والتمكين. منها برنامج (تمكين) الذي أنجز نقلة أعمق في فلسفة الصندوق. فأحد أخطر ما يُلحقه الدعم الاجتماعي التقليدي من أضرار خفية هو إطالة حالة الاعتماد على الدعم ليكون نمط حياة. وهذه الإشكالية تحديداً صُمم «تمكين» ليعالجها عبر مسارات التأهيل المهني ودعم المشاريع الصغيرة والتوظيف النوعي، محوّلاً أسر المستفيدين من متلقّين للدعم إلى طاقات منتجة في الدورة الاقتصادية الوطنية. وهذا التحول هو بالضبط المعيار الذي يُفرّق في منهجية البنك الدولي وبين نماذج الدول الريعية ونماذج الدول التنموية المتقدمة؛ فتمكين زوجة شهيد أو ابنه من مهارات سوق العمل ليس مِنّةً اجتماعية، بل استثمار في رأس المال البشري يعود بأثره على مؤشرات الإنتاجية الوطنية قبل أن يعود على الفرد.
وتأتي الرعاية الصحية لتُكمل هذه المنظومة في بُعدها الإنساني الأكثر عمقاً؛ ففي دليل التنمية البشرية، يمثّل متوسط العمر الصحي المتوقع ثُلثَ الوزن الإجمالي للمؤشر. هذا يجعل الرعاية الصحية ركيزةً حاسمة في ترتيب الدول. والصندوق، عبر برامجه في الرعاية المتقدمة، تجاوز النموذج العلاجي التقليدي إلى نموذج إعادة بناء الحياة؛ فتقديم الأطراف الصناعية الذكية، وتأهيل إصابات الحروب المعقدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والرعاية المنزلية المتخصصة - كل ذلك لا يُقلّص معدلات العجز إحصائياً فحسب، بل يُنتج ما يُسمّيه خبراء القياس الدوليون «الرفاه الذاتي المُدرَك»، أي شعور الفرد بأنه لا يزال قادراً ومنتجاً وجديراً بالكرامة الكاملة.
وإذا كانت الرعاية الصحية تحمي الحاضر، فإن المنح التعليمية تحمي المستقبل. فالفجوة التعليمية التي تُنتجها وفاة المعيل أو إصابته من أشد الأضرار الاجتماعية خطورةً، لأنها تمتد جيلاً كاملاً وتتراكم عبر الزمن. وحين يضمن الصندوق للأبناء مساراً تعليمياً متكاملاً، من التعليم المحلي وصولاً إلى برامج الابتعاث في تخصصات المستقبل كالفضاء والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، فإنه يُغلق هذه الفجوة قبل أن تتسع، والمملكة بذلك لا تتعامل مع أسر أبطال الوطن بمنطق التعويض، بل بمنطق تكافؤ الفرص والشمول الاجتماعي.
وتستند هذه المنظومة إلى ركيزة منهجية لا تقل أهمية عن سابقاتها، وهي ثقافة البيانات والبحث الميداني. فبرامج الصندوق لا تُصمَّم استجابةً للحدس أو العرف، بل بعد دراسة دقيقة للأثر النفسي والاحتياج المادي والتطلعات المهنية. وقد جعل هذا النهجُ البحثيُّ الخدماتِ تتجاوز حدود الوفاء العاطفي إلى كفاءة قابلة للقياس، وهو ما يُفسّر جزءاً من بلوغ المملكة درجة 100 % في بُعد «استخدام البيانات في صنع السياسات» ضمن مؤشر الأداء الإحصائي للبنك الدولي، فالمنظمات الدولية لا تثق بالإنجازات المُعلنة بقدر ما تثق بالأدلة المنهجية العلمية على كيفية اتخاذ القرار وصنع السياسات الوطنية.
ولعل أكثر ما يصعب قياسه وأشدّ أثراً في الوقت ذاته هو ذلك الاستقرار النفسي والوطني الذي تُنتجه برامج الصندوق؛ حين تُخلَّد ذكرى الشهداء، وحين تحضر زوجة الشهيد حفل تخرج ابنها المبتعث برعاية الدولة. هذا «الرضا الوطني المُدرَك» ليس ترفاً عاطفياً؛ إنه سياسة اجتماعية صارمة تُعزّز الاستقرار وتُقلّل الفجوات، وتجعل من (عقد البيعة) أو ما يعرف بـ(العقد الاجتماعي) بين الدولة والمواطن عقداً نافذاً في لحظة الاختبار، لا في لحظة الرخاء وحدها.
وتجربتنا الوطنية يتضح تميزها حين تُوضع في سياقها الدولي المقارن. شمولها يجعلها نموذجاً يستحق الدراسة لا المقارنة وحسب. فالولايات المتحدة، التي تُعدّ المرجع الأكثر استشهاداً في رعاية المحاربين، تُقدّم الرعاية الطبية والتعويض والتعليم والتقاعد عبر وزارة شؤون المحاربين القدامى، لكنها تعالج ملف الأسرى والمفقودين عبر وكالة مستقلة تقتصر مهمتها على البحث والتوثيق دون أن تمتد إلى رعاية اجتماعية لأسر هذه الفئة. والنتيجة أن المستفيد يجد نفسه أمام مؤسسات متعددة لا تنسيق فعلياً بينها، مما يُلقي على أسر المحاربين ذوي الاحتياجات المعقدة عبئاً مضاعفاً من التنقل بين الجهات، فيضعف أثر الرعاية المقدّمة مهما كان حجمها.
وفي المملكة المتحدة، يقوم الميثاق العسكري على مبدأ ضمان ألا يواجه أفراد المجتمع العسكري وذووهم أي إجحاف في الخدمات مقارنةً بسائر المواطنين، وقد شهد توسعاً لافتاً في الشراكة مع القطاع الخاص بلغ فيه عدد الموقّعين من المؤسسات الخاصة أكثر من 12,400 مؤسسة. بيد أن الميثاق إطارا توجيهيا وليس مؤسسة تنفيذية متكاملة؛ وقد وصفت مراجعة مستقلة عام 2023 منظومة الدعم بأنها «نظام معقد شبه منيع لمن يحاول الوصول إليه»، فضلاً عن أن فئتَي الأسرى والمفقودين تقعان خارج نطاق الاهتمام المنظّم.
أما كوريا الجنوبية فتجربتها لافتة، لأنها جاءت بمنطق مشابه للمنطق السعودي في ربط الوفاء بالمؤسسة؛ إذ تدعم وزارة الوطنيين والمحاربين القدامى نحو 833,000 من المحاربين وذويهم عبر ثلاثة محاور: المساعدة المالية المباشرة، والرعاية الطبية في ست مستشفيات متخصصة، ودعم تعليم الأبناء وتوظيفهم. غير أن النظام لا يُفرد اهتماماً مؤسسياً مستقلاً لفئتَي الأسرى والمفقودين، ويفتقر إلى منصة رقمية استباقية وإلى برنامج تمكين اقتصادي بالعمق والشمول الذي تُجسّده التجربة السعودية.
ما تقوله هذه المقارنة إذن هو أن التجربة السعودية تنفرد بثلاثة محاور يصعب العثور على نظير لها مجتمعةً في تجربة دولية واحدة: اولا، التكامل المؤسسي الذي يجمع الفئات الأربع -شهداء ومصابين وأسرى ومفقودين - تحت سقف واحد بدلاً من توزيعها على وزارات ووكالات لا تنسيق بينها؛ وثانيا، التوجه التنموي الذي يُحوّل الالتزام التعويضي إلى استثمار في رأس المال البشري بدلاً من إبقائه دعماً مالياً دورياً؛ واخيرا، الخدمات الرقمية الاستباقية التي تجعل الدولة تذهب إلى المستفيد بدلاً من المرور بالإجراءات الطويلة.
وتبقى مساحة للاستلهام من التجارب الأخرى؛ فنموذج الشراكة المجتمعية الواسعة الذي أرسته المملكة المتحدة - حين يُحمَّل القطاع الخاص مسؤولية اجتماعية تجاه المحاربين وذويهم توظيفاً وتدريباً - يمكن أن يُعزّز مسارات «تمكين» بروافد خارج الدعم الحكومي المباشر. والالتزام الأمريكي بالبحث عن المفقودين جيلاً بعد جيل في أكثر من 37 دولة يُقدّم درساً في استمرارية الوفاء المؤسسي بصرف النظر عن المسافة الزمنية.
في نهاية المطاف، ما يجعل هذه التجربة السعودية نموذجاً يستحق الاهتمام الدولي ليس حجم الإنفاق، بل البنية الفكرية والمهنية التي تقوم عليها: أن كل ريال يُنفَق على المستفيدين هو استثمار في مؤشر قابل للقياس لا منّة مؤقتة، وأن التقنية الرقمية والبيانات والرعاية الصحية والتعليم والتمكين ليست برامج متجاورة بل عناصر منظومة واحدة يُكمّل بعضها بعضاً. وبهذا المنطق تحديداً تُقرأ أرقام 2026: ليست صدفةً إحصائية، ولا مجرد انعكاس للثروة النفطية، بل هي نتيجة متراكمة لقرارات سياسية رأت في الإنسان -حتى في ضعفه - مورداً يُبنى لا عبئاً يُدار. فعظمة الأوطان لا تُقاس بما تُنفقه وحده، بل بما تُنتجه مما تُنفقه.